محمد الريشهري
79
موسوعة معارف الكتاب والسنة
مرّت الإشارة إليها فيما سلف ، هو الآخر له حظ وافر في نقد النصوص وتمحيصها ، وهو ما نطلق عليه « نور البصيرة » . هذه البصيرة المنوّرة ، مضافاً إلى ما تنهض به من إعانة الباحث على معرفة السنّة الصحيحة وتيسير السبيل أمامه ، فهي بنفسها تتحوّل إلى أرضية تهب صاحبها قدرة استنباط الأحكام الإلهية من الكتاب والسنّة على نحو صحيح ، وهذه هي القوّة القدسية الإلهية التي تحدّث عنها الشهيد الثاني « 1 » وجعلها العمدة لاستنباط الأحكام ، بالإضافة إلى المهارة في علمي الفقه والأصول وبقيّة المقدّمات اللازمة . فبعد أن يبيّن الشهيد الثاني أقسام العلوم الشرعية والترتيب اللازم لتحصيلها ، يذكر أنّ التمكّن من المقدّمات والعلوم التمهيدية اللازمة للاجتهاد لا يكفي وحدَه لاستنباط الأحكام وردّ الفروع إلى الأصول ، حيث يكتاب : ولا يكفي ذلك كلّه إلّابهبة من اللَّه تعالى إلهية وقوّة منه قدسية توصله إلى هذه البغية ، وتبلّغه هذه الرتبة ، وهي العمدة في فقه دين اللَّه تعالى ، ولا حيلة للعبد فيها ، بل هي منحة إلهية ونفحة ربّانية يخصّ بها من يشاء من عباده ، إلّاأنّ للجدّ والمجاهدة والتوجّه إلى اللَّه تعالى والانقطاع إليه أثراً بيّناً في إفاضتها من الجناب القدسي : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ « 2 » . « 3 »
--> ( 1 ) . الشيخ زين الدين بن عليّ العامليّ المعروف بالشهيد الثاني ( 911 - 965 ه ق ) . قال رضوان اللَّه تعالىعليه في كتابه « شرح اللمعة » ج 3 ص 66 - في بيان شروط الإفتاء - : « . . . نعم يشترط مع ذلك كلّه أن يكون له قوّة يتمكّن بها من ردّ الفروع إلى أصولها واستنباطها منها ، وهذه هي العمدة في هذا الباب ، وإلّا فتحصيل تلك المقدّمات قد صارت في زماننا سهلة ؛ لكثرة ما حقّقه العلماء والفقهاء فيها وفي بيان استعمالها ، وإنّما تلك القوّة بيد اللَّه تعالى يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده ، ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخل عظيم في تحصيلها ، وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » . ( 2 ) . العنكبوت : 69 . ( 3 ) . منية المريد : ص 387 .