محمد الريشهري
32
موسوعة معارف الكتاب والسنة
اعلَموا - عِبادَ اللَّهِ - أنَّ المُتَّقينَ ذَهَبوا بِعاجِلِ الدُّنيا وآجِلِ الآخِرَةِ ، فَشارَكوا أهلَ الدُّنيا في دُنياهُم ، ولَم يُشارِكهُم أهلُ الدُّنيا في آخِرَتِهِم ، سَكَنُوا الدُّنيا بِأَفضَلِ ما سُكِنَت ، وأكَلوها بِأَفضَلِ ما اكِلَت ، فَحَظوا مِنَ الدُّنيا بِما حَظِيَ بِهِ المُترَفونَ ، وأخَذوا مِنها ما أخَذَهُ الجَبابِرَةُ المُتَكَبِّرونَ ، ثُمَّ انقَلَبوا عَنها بِالزّادِ المُبَلِّغِ وَالمَتجَرِ الرّابِحِ . « 1 » ولا ريب في أنّ لهذا المنهاج الإلهي الشامل المتكامل جذورَه الضاربة في ميزان الحكمة القرآنية والسنّة ، ومن ثَمّ فإنّ أصول هذا المنهاج ومرتكزاته في الجزء الذي يسمّى « القرآن » وهو من اللَّه سبحانه لفظاً ومعنىً ؛ أمّا في نطاق الجزء الذي يطلق عليه « السنّة » فإنّ ألفاظه وإن كانت من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، لكن محتواه - دون ريب - من اللَّه سبحانه الذي يقول بشأن نبيّه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . « 2 » فبالإضافة إلى مهمّة تبليغ الوحي ، فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مكلّف - بنصّ القرآن - بتبيينه أيضاً : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . « 3 » ولمّا كان صلى الله عليه وآله مصوناً عن الخطأ في تبليغ الوحي وتبيينه عقلًا ونقلًا ، فقد عدَّ القرآن إطاعته إطاعة للَّهسبحانه على ما نطق به التنزيل بقوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ . « 4 » انطلاقاً من هذا المعنى ، فقد عكف النبيّ صلى الله عليه وآله على بيان المبادئ الشاملة لمنهاج الحياة السعيدة المثلى خلال مدّة حياته القصيرة الملأى بالعطاء ، حتّى قال في خطبته
--> ( 1 ) . نهج البلاغة : الكتاب 27 ، بحار الأنوار : ج 33 ص 581 ح 726 . راجع : التنمية الاقتصاديّة في الكتاب والسنّة : ص 49 ( القسم الأوّل : أهمّية التقدّم الاقتصادي ) . ( 2 ) . النجم : 3 و 4 . ( 3 ) . النحل : 44 . ( 4 ) . النساء : 80 .