محمد الريشهري

107

موسوعة معارف الكتاب والسنة

والأنانية وعبادة الذات وتصنيمها ، ينظر الإسلام إلى الأنانية والأثَرة بوصفهما الأصل الذي تنشأ منه المفاسد الفردية والاجتماعية ، ومن ثَمّ تراه يسعى من وراء إشاعة ثقافة الإيثار والمؤاساة وتعميمها إلى تجفيف هذا الجذر الخطير ومحاصرة تبعاته المدمّرة . وعندما نطلّ على المسألة من زاوية نظرة دقيقة تنفذ إلى الأعماق ، سندرك أنّ الإسلام استطاع من خلال هذا المنهج استيعاب الغرور الفطري للإنسان واحتوائه وتوجيهه ، ومن ثَمّ استطاع أن يؤمّن له منافعه الواقعية وما يرنو إليه على المدى البعيد ، فالإنسان الذي يعيش الإيثار ويمارسه إنّما يبني ذاته ويُحسن لنفسه ويُؤمّن مصالحه الحقيقية الدائمة ، وبتعبير القرآن الكريم : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ . « 1 » على عكس ذلك تماماً تأتي الحصيلة في مناخات الثقافة المادّية ؛ فالمادّيون والأنانيون المستأثرون يضعون مصيرهم في مهبّ الريح ويعرّضون أنفسهم للضياع ويخسرون منافعهم الحقيقية الدائمة ويبدّدونها ، وبحسب التصوير القرآني النافذ لهذه الحالة ؛ أنّ هؤلاء ينسون أنفسهم ويخسرونها بنسيانهم اللَّه : نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ . « 2 » على هذا الضوء ، فإنّ اتّساع ثقافة الإيثار واطّرادها داخل المجتمع لا يهدّد المنافع الشخصية للمؤثرين فحسب ، بل يحوّلهم إلى أحبّاء للَّه « 3 » وللناس « 4 » ، ويؤهّلهم إلى نيل أفضل ضروب الحياة وأسماها في عالَم الآخرة ودار الخلود « 5 » ؛ فضلًا عن

--> ( 1 ) . الإسراء : 7 . ( 2 ) . الحشر : 19 . ( 3 ) . راجع : ص 112 ح 3 وص 113 ح 4 . ( 4 ) . راجع : ص 124 ح 44 . ( 5 ) . راجع : ص 126 ( الدخول في أعلى مراتب الجنّة ) .