محمد الريشهري

262

موسوعة العقائد الإسلامية

ومَثَلُ الاختِبارِ بِالاستِطاعَةِ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبداً ومَلَكَ مالًا كَثيراً أحَبَّ أن يَختَبِرَ عَبدَهُ عَلى عِلمٍ مِنهُ بِما يَؤولُ إلَيهِ ، فَمَلَّكَهُ مِن مالِهِ بَعضَ ما أحَبَّ ووَقَفَهُ عَلى امورٍ عَرَّفَهَا العَبدَ ، فَأَمَرَهُ أن يَصرِفَ ذلِكَ المالَ فيها ونَهاهُ عَن أسبابٍ لَم يُحِبَّها وتَقَدَّمَ إلَيهِ أن يَجتَنِبَها ولا يُنفِقَ مِن مالِهِ فيها ، وَالمالُ يُتَصَرَّفُ في أيِّ الوَجهَينِ ، فَصَرفُ المالَ أحَدُهُما فِي اتِّباعِ أمرِ المَولى ورِضاهُ ، وَالآخَرُ صَرفُهُ فِي اتِّباعِ نَهيِهِ وسَخَطِهِ . وأسكَنَهُ دارَ اختِبارٍ أعلَمَهُ أنَّهُ غَيرُ دائِمٍ لَهُ السُّكنى فِي الدّارِ ، وأنَّ لَهُ داراً غَيرَها وهُوَ مُخرِجُهُ إلَيها فيها ثَوابٌ وعِقابٌ دائِمانِ . فَإِن أنفَذَ العَبدُ المالَ الَّذي مَلَّكَهُ مَولاهُ فِي الوَجهِ الَّذي أمَرَهُ بِهِ جَعَلَ لَهُ ذلِكَ الثَّوابَ الدّائِمَ في تِلكَ الدّارِ الَّتي أعلَمَهُ أنَّهُ مُخرِجُهُ إلَيها ، وإن أنفَقَ المالَ فِي الوَجهِ الَّذي نَهاهُ عَن إنفاقِهِ فيهِ جَعَلَ لَهُ ذلِكَ العِقابَ الدّائِمَ في دارِ الخُلودِ . وقَد حَدَّ المَولى في ذلِكَ حَدّاً مَعروفاً وهُوَ المَسكَنُ الَّذي أسكَنَهُ فِي الدّارِ الأولى ، فَإِذا بَلَغَ الحَدَّ استَبدَلَ المَولى بِالمالِ وبِالعَبدِ عَلى أنَّهُ لَم يَزَل مالِكاً لِلمالِ وَالعَبدِ فِي الأَوقاتِ كُلِّها ، إلّا أنَّهُ وَعَدَ ألّا يَسلُبَهُ ذلِكَ المالَ ما كانَ في تِلكَ الدّارِ الأولى إلى أن يَستَتِمَّ سُكناهُ فيها ، فَوَفى لَهُ ؛ لِأَنَّ مِن صِفاتِ المَولى العَدلَ وَالوَفاءَ وَالنَّصَفَةَ وَالحِكمَةَ ، أوَ لَيسَ يَجِبُ إن كانَ ذلِكَ العَبدُ صَرَفَ ذلِكَ المالَ فِي الوَجهِ المَأمورِ بِهِ أن يَفِيَ لَهُ بِما وَعَدَهُ مِنَ الثَّوابِ ، وتَفَضَّلَ عَلَيهِ بِأَنِ استَعمَلَهُ في دارٍ فانِيَةٍ وأثابَهُ عَلى طاعَتِهِ فيها نَعيماً في دارٍ باقِيَةٍ دائِمَةٍ . وإن صَرَفَ العَبدُ المالَ الَّذي مَلَّكَهُ مَولاهُ أيّامَ سُكناهُ تِلكَ الدّارَ الأولى فِي الوَجهِ المَنهِيِّ عَنهُ وخالَفَ أمرَ مَولاهُ ، كَذلِكَ تَجِبُ عَلَيهِ العُقوبَةُ الدّائِمَةُ الَّتي حَذَّرَهُ إيّاها ،