محمد الريشهري
34
موسوعة العقائد الإسلامية
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . « 1 » فهذه الآية الكريمة توصي الإنسان بما يصدر عن العقل من حكم صريح ، بمعنى : أيّها الانسان ، اتّبع نداء الضمير وما يُصدر العقل من أمر صريح واضح في المسائل العقيدية ، وإيّاك والتقليد الأعمى ، وما لم يتحقّق لديك الوعي بصحّة أيّ نظرية مّا لا تجعلها معياراً وملاكاً لأعمالك ولا تتّبعها . وآية أخرى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . « 2 » الصمّ والبكم في هذه الآية ليسوا مَن فقدوا حاسّة السمع وخرسوا عن الكلام ، وإنّما هم مَن تصفهم الآية بأنهم لا يَعْقِلُونَ أي : ليسوا من أهل التعقّل والتفكير في المسائل العقائدية ، وهُمْ من أشير إليهم في آية أخرى بقوله : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . « 3 » لهم قلوبٌ لا يصلون بها إلى الوعي والمعرفة ، ولهم عيونٌ لا ترى الحقيقة ، ولهم آذانٌ لاتعي كلام الحقّ ، فالمقصود إذاً الذين يتّبعون الآخرين وهم غاضّي بصرهم وصامّي آذانهم وحابسي ألسنتهم ، المتّبعون عقائد الأغيار بدون دليل أو برهان ، بدلًا من أن يتّبعوا عقولهم وتفكيرهم الذاتي . وهكذا ، يحرّر القرآن الكريم يد الإنسان ورجله من أصفاد التقليد الأعمى ، ويعتقُ البشر من أغلال الرقّ الفكري للآخرين ، ويمنح أفراد المجتمع كلّاً على حدة استقلاله الفكري وحقّه في إبداء رأيه وإظهار وجهة نظره ، حتّى إذا ما حرّر الناس من ربقة التقليد العقيدي أهاب بهم إلى التأمّل والتحقيق .
--> ( 1 ) . الإسراء : 36 . ( 2 ) . الأنفال : 22 . ( 3 ) . الأعراف : 179 .