ابن حجر العسقلاني

96

الإصابة

وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مبلغا جعله يستأجر أحيانا بعض الكتب ، ويطلب إعارتها له ، ويبرز في هذا المجال من بين شيوخه بدر الدين الببشتكي الشاعر المشهور الذي إعارة جملة من الكتب منها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وغيره . ويبدو من خلال الاستقراء ان فتورا خصل في نشاطه الثقافي استمر إلى أول سنة تسعين وسبعمائة ، اشتغل في هذه المدة بالتجارة فنشأ في زشط تجاري لان جده وأعمامه كانوا تجارا ، وكان وصيه الخروبي رئيسا للتجار في مصر . ولعل لموت الخروبي سنة 787 ه‍ اثرا في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم ، وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى ذلك ، كما ترتب عليه ان يكفل نفسه وسيعض بأعباء الحياة ، وقد يتضح ذلك من قول السخاوي ، ولو وجد من يعتني به في صغره لأدرك خلقا ممن اخذ عن أصحابهم " . في سنة 790 ه‍ أكمل السابعة عشرة من عمره ، وحفظ فيها القرآن الكرين وكتبا من مختصرات العلوم ، وقرأ القراءات تجويدا على الشهاب احمد الخيوطي ، وسمع صحيح البخاري على بعض المشايخ كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ . وقد لازم حينئذ أحد أوصيائه العلامة شمس الدين محمد بن القطان المصري ، وحضر دروسه في الفقه والعربية والحساب وغيرها ، وقرأ عليه شيئا من الحاوي الصغير فأجاز له ثم درس ما جرت العادة على دراسته من أصل وفرع ولغة ونحوها وطاف شيوخ الدراية . ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الأدب ، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعرا الا ويستحضر من أين اخذ ناظمه ، وطارح الأدباء وقال الشعر الرائق والنثر الفائق ، ونظم المدائح النبوية والمقاطيع . وتمثل سنة 793 منعطفا ثقافيا في حياة ابن حجر ، فمن هذه الثقافة العامة الواسعة ، واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبب الله إليه علم الحديث النبوي فاقبل عليه بكليته . وأوضحت المصادر ان بداية طلبه الحديث كان في سنة 793 ه‍ وغير انه لم يكثر الا في سنة 796 ه‍ وكتب بخطه : " رفع الحجاب ، وفتح الباب ، واقبل العزم المصمم على التحصيل ، ووفق للهداية إلى سواة السبيل " فكان ان تتلمذ على خيرة علماء عصره . وكان شيخه في حديث زين الدين العراقي الذي لازمه عشر سنوات ، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندا ومتنا وعللا واطلاعا ، فقرا عليه ألفيته وشرحها فنون