ابن حجر العسقلاني

39

الإصابة

العامل العاشر حكمة الله ورسوله في التربية والتعليم ، وحسن سياستهما في الدعوة والارشاد مما جعل الكتاب والسنة يتقرران في الأذهان ، ويسهلان على الصحابة في الحفظ والاستظهار . اما القرآن الكريم فحسبك أن تعرف من حكمة الله في التربية والتعليم أنه أنزله على الأمة الاسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم ، وبالأسلوب الخلاب والنظم المعجر الاخذ بقلوبهم وانه تدرج بهم في نزوله ، فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به ويعجزون عنه بل أنزله منجما في مدى عشرين أو بضع وعشرين سنة ، ثم ربطه بالحوادث والأسباب الخاصة في كثير من آياته وسوره ، ودعمه بالدليل والحجة ، وخاطب به العقول والضمائر ، وناط به مصلحتهم وخيرهم وسعادتهم ، وصدر في ذلك كله عن جنة واسعة بهم يكادون يلمسونها باليد ويرونها بالعين ( ما يريد الله ليجعل عليكم كم حرج ، ولكم يريد ليطهركم ، وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) . ( من عمل صالحا فلنفسه ، ومن أساء فعليها ، وما ربك بظلام للعبيد ) واما السنة النبوية فلقد كان محمد صلى الله عليه وسلم هو المعلم الأول في دعاية تلك الوسائل الموضحة ، ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان الناس لسانا وأوضحهم بيانا ، وأجودهم القاء ، ينتقي عيون الكلام وهو الذي أوتي جوامع الكم ، ولا يسرد الحديث سردا يزري برونقه أو يذهب بجزء منه ، يل يتكلم كلاما لو عدة العاد لأحصاه ، وكان يعيد الكلمة ثلاثا أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كيما تحفظ عنه صلى الله عليه وسلم قوله : " هلك المتنطعون " قالها ثلاثا ، قال : " الا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثا - قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : " الاشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، الا وقول الزور وشهادة الزور - وكان متكئا فجلس - فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت "