ابن حجر العسقلاني

28

الإصابة

يصاغ منهم حكم على المجموع ، وترجع هذه الأمية السائدة فيهم إلى غلبة البداوة عليهم وبعدهم عن أسباب الحضارة ، وعدم اتصالهم اتصالا وثيقا بالأمتين المتحضرتين آنذاك الفرس والروم . ومعلوم ان الكتابة والقراءة وامحاء الأمية في أية أمة رهين بخروجها من عهد السذاجة والبساطة إلى عهد المدنية والحضارة . ثم إن هذه الأمية تجعل المرء منهم لا يعول إلا على حافظته وذاكرته فيما يهمه حفظه وذكره ، ومن هنا كان تعويل الصحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لان الحفظ هو السبيل الوحيدة أو الشبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بها ، ولو كانت الكتابة شائعة فيهم لاعتمدوا على النقش بين السطور بدلا من الحفظ في الصدور . نعم ، كان هناك كتاب للوحي ، وكان بعض الصحابة يكتبون القرآن لأنفسهم ، إلا أن هؤلاء وهؤلاء كانوا فئة قليلة ، ولعلك لم تنس ان كتابة القرآن في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم كان الغرض منها زيادة التوثق والاحتياط للقرآن الكريم بتقييده وتسجيله . اما السند النبوية فقد نهز النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن كتابتها أول الأمر مخافة اللبس بالقرآن ، إذ قال عليه الصلاة والسلام : " لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، وحرثوا عني فلا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدة من النار " نعم . خشي الرسول صلى الله عليه وسلم ان يختلط القرآن بالسنة إذا هم كتبوا السنة كما كانوا يكتبون القرآن ، أو ان تتوزع جهودهم وهي لا تحتمل ان يكتبوا جميع السنة وجميع القرآن فقصرهم على الأهم أولا وهو القرآن ، خصوصا إذ لا حظنا ان أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إلى حد بعيد ، حتى كانوا يكتبون في اللخاف والسعف والعظام كما علمت . فرحمة بهم من ناحية ، وأخذا لهم بتقديم الأهم على المهم من ناحية ثانية ، وحفظا للقرآن أن يشتبه بالسنة إذا هم كتبوا الستة بجانب القرآن نظرا إلى عزة الورق ، وندره أدوات الكتابة ، رعاية لهذه الغاية الثلاث نهى الرسول عن كتابة السنة . أما إذا امن اللبس ولم يخش الاختلاط ، . كان الامر سهلا على اللخص فلا عليه ان