محمد الريشهري
39
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
فَلَمّا حَضَرَتهَا الوَفاةُ وَصَّت أميرَ المُؤمِنينَ عليه السّلام أن يَتَوَلّى أمرَها ، ويَدفِنَها لَيلًا ، ويُعَفِّيَ « 1 » قَبرَها . فَتَوَلّى ذلِكَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السّلام ودَفَنَها ، وعَفّى مَوضِعَ قَبرِها . فَلَمّا نَفضَ يَدَهُ مِن تُرابِ القَبرِ هاجَ بِهِ الحُزنُ ، فَأَرسَلَ دُموعَهُ عَلى خَدَّيهِ ، وحَوَّلَ وَجهَهُ إلى قَبرِ رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله فَقالَ : السَّلامُ عَلَيكَ - يا رَسولَ اللَّهِ - مِنّي ، وَالسَّلامُ عَلَيكَ مِنِ ابنَتِكَ وحَبيبَتِكَ وقُرَّةِ عَينِكَ ، وزائِرَتِكَ وَالبائِتَةِ فِي الثَّرى بِبُقعَتِكَ ، وَالمُختارِ لَهَا اللَّهُ سُرعَةَ اللِّحاقِ بِكَ ، قَلَّ يا رَسولَ اللَّهِ عَن صَفِيَّتِكَ صَبري ، وضَعُفَ عَن سَيِّدَةِ النِّساءِ تَجَلُّدي ، إلّاأنَّ فِي التَّأَسّي لي بِسُنَّتِكَ وَالحُزنِ الَّذي حَلَّ بي بِفِراقِكَ مَوضِعَ التَّعَزّي ، فَلَقَد وَسَّدتُكَ في مَلحودِ قَبرِكَ بَعدَ أن فاضَت نَفسُكَ عَلى صَدري ، وغَمَّضتُكَ بِيَدي ، وتَوَلَّيتُ أمرَكَ بِنَفسي ، نَعَم وفي كِتابِ اللَّهِ أنعَمُ القَبولِ : « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » « 2 » . لَقَدِ استُرجِعَتِ الوَديعَةُ ، واخِذَتِ الرَّهينَةُ ، وَاختُلِسَتِ الزَّهراءُ ، فَما أقبَحَ الخَضراءَ وَالغَبراءَ « 3 » ، يا رَسولَ اللَّهِ ! أمّا حُزني فَسَرمَدٌ « 4 » ، وأمّا لَيلي فَمُسَهَّدٌ « 5 » ، لا يَبرَحُ الحُزنُ مِن قَلبي أو يَختارَ اللَّهُ لي دارَكَ الَّتي أنتَ فيها مُقيمٌ ، كَمَدٌ « 6 » مُقَيِّحٌ ، وهَمٌّ مُهَيِّجٌ ، سَرعانَ ما فُرِّقَ بَينَنا ، وإلَى اللَّهِ أشكو . وسَتُنَبِّئُكَ ابنَتُكَ بِتَضافُرِ امَّتِكَ عَلَيَّ وعَلى هَضمِها حَقَّها ، فَاستَخبِرهَا الحالَ ، فَكَم مِن غَليلٍ مُعتَلِجٍ « 7 » بِصَدرِها لَم تَجِد إلى بَثِّهِ سَبيلًا ، وسَتَقولُ ،
--> ( 1 ) . عَفَتِ الريحُ الأثرَ : أي درسته ومحته ( تاج العروس : ج 19 ص 687 « عفو » ) . ( 2 ) . البقرة : 156 . ( 3 ) . الغبراء : الأرض . والخضراء : السماء ؛ للونهما ( النهاية : ج 3 ص 337 « غبر » ) . ( 4 ) . السّرمَد : الدائم الذي لا ينقطع ( النهاية : ج 2 ص 363 « سرمد » ) . ( 5 ) . السُّهد : الأرق ( القاموس المحيط : ج 1 ص 305 « سهد » ) . ( 6 ) . الكَمْد - بالفتح وبالتحريك - : تغيّر اللون وذهاب صفائه ، والحزن الشديد ، ومرض القلب ( القاموسالمحيط : ج 1 ص 333 « الكمدة » ) . ( 7 ) . اعتلجَ المَوجُ : التطمَ ، واعتلج الهمّ في صدره ، كذلك على المثل ( لسان العرب : ج 2 ص 327 « علج » ) .