محمد الريشهري

381

موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

يا أميرَ المُؤمِنينَ ، إنّي أتَيتُكَ مِن ناحِيَةِ الشّامِ ، وأنَا شَيخٌ كَبيرٌ قَد سَمِعتُ فيكَ مِنَ الفَضلِ ما لا احصي ، وانّي أظُنُّكَ سَتُغتالُ ، فَعَلِّمني مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ . قالَ : نَعَم يا شَيخُ : مَنِ اعتَدَلَ يَوماهُ فَهُوَ مَغبونٌ ، ومَن كانَتِ الدُّنيا هِمَّتَهُ اشتَدَّت حَسرَتُهُ عِندَ فِراقِها ، ومَن كانَ غَدُهُ شَرَّ يَومَيهِ فَهُوَ مَحرومٌ ، ومَن لَم يُبالِ بِما رُزِئَ « 1 » مِن آخِرَتِهِ إذا سَلِمَت لَهُ دُنياهُ فَهُوَ هالِكٌ ، ومَن لَم يَتَعاهَدِ النَّقصَ مِن نَفسِهِ غَلَبَ عَلَيهِ الهَوى ، ومَن كانَ في نَقصٍ فَالمَوتُ خَيرٌ لَهُ . يا شَيخُ ! ارضَ لِلنّاسِ ما تَرضى لِنَفسِكَ ، وَائتِ إلَى النّاسِ ما تُحِبُّ أن يُؤتى إلَيكَ . ثُمَّ أقبَلَ عَلى أصحابِهِ فَقالَ : أيُّهَا النّاسُ ! أما تَرَونَ إلى أهلِ الدُّنيا يُمسونَ ويُصبِحونَ عَلى أحوالٍ شَتّى ؛ فَبَينَ صَريعٍ يَتَلَوّى ، وبَينَ عائِدٍ ومَعودٍ ، وآخَرَ بِنَفسِهِ يَجودُ ، وآخَرَ لا يُرجى ، وآخَرَ مُسَجّىً ، وطالِبِ الدُّنيا وَالمَوتُ يَطلُبُهُ ، وغافِلٍ ولَيسَ بِمَغفولٍ عَنهُ ، وعَلى أثَرِ الماضي يَصيرُ الباقي . فَقالَ لَهُ زَيدُ بنُ صوحانَ العَبدِيُّ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ! أيُّ سُلطانٍ أغلَبُ وأقوى ؟ قالَ : الهَوى . قالَ : فَأَيُّ ذُلٍّ أذَلُّ ؟ قالَ : الحِرصُ عَلَى الدُّنيا . قالَ : فَأَيُّ فَقرٍ أشَدُّ ؟ قالَ : الكُفرُ بَعدَ الإِيمانِ .

--> ( 1 ) . الرُّزءُ : المصيبة ، رزَأَتْهُ رزيئة : أي أصابته مصيبة ( الصحاح : ج 1 ص 53 « رزأ » ) .