محمد الريشهري

173

موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

أميرُ المُؤمِنينَ عليه السّلام : انظُروا ما هذَا السَّوادُ ؟ فَذَهَبَتِ الخَيلُ تَركُضُ ، فَلَم تَلبَث أن رَجَعَت ، فَقيلَ : هذِهِ طَيِّءٌ قَد جاءَتكَ تَسوقُ الغَنَمَ وَالإِبِلَ وَالخَيلَ ، فَمِنهُم مَن جاءَكَ بِهَداياهُ وكَرامَتِهِ ، ومِنهُم مَن يُريدُ النُّفورَ مَعَكَ إلى عَدُوِّكَ . فَقالَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السّلام : جَزَى اللَّهُ طَيّاً خَيراً « وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً » « 1 » . فَلَمَّا انتَهَوا إلَيهِ سَلَّموا عَلَيهِ . قالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ خَليفَةَ : فَسَرَّني وَاللَّهِ ما رَأَيتُ مِن جَماعَتِهِم وحُسنِ هَيئَتِهِم ، وتَكَلَّموا فَأَقَرّوا ، وَاللَّهِ ما رَأَيتُ بِعَيني خَطيباً أبلَغَ مِن خَطيبِهِم . وقامَ عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ الطّائِيُّ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عَلَيهِ ، ثُمَّ قالَ : أمّا بَعدُ فَإِنّي كُنتُ أسلَمتُ عَلى عَهدِ رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله ، وأدَّيتُ الزَّكاةَ عَلى عَهدِهِ ، وقاتَلتُ أهلَ الرِّدَّةَ مِن بَعدِهِ ، أرَدتُ بِذلِكَ ما عِندَ اللَّهِ ، وعَلَى اللَّهِ ثَوابُ مَن أحسَنَ وَاتَّقى ، وقَد بَلَغَنا أنَّ رِجالًا مِن أهلِ مَكَّةَ نَكَثوا بَيعَتَكَ ، وخالَفوا عَلَيكَ ظالِمينَ ، فَأَتَيناكَ لِنَنصُرَكَ بِالحَقِّ ، فَنَحنُ بَينَ يَدَيكَ ، فَمُرنا بِما أحبَبتَ ، ثُمَّ أنشَأَ يَقولُ : ونَحنُ نَصَرنَا اللَّهَ مِن قَبلِ ذاكُم * وأنتَ بِحَقّ جِئتَنا فَسَتُنصَرُ سَنَكفيكَ دونَ النّاسِ طُرّاً بِأَسرِنا * وأنتَ بِهِ مِن سائِرِ النّاسِ أجدَرُ فَقالَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السّلام : جَزاكُمُ اللَّهُ مِن حَيٍّ عَنِ الإِسلامِ وأهلِهِ خَيراً ، فَقَد أسلَمتُم طائِعينَ ، وقاتَلتُمُ المُرتَدّينَ ، ونَوَيتُم نَصرَ المُسلِمينَ . وقامَ سَعيدُ بنُ عُبَيدٍ البُحتُرِيُّ مِن بَني بُحتُرٍ ، فَقالَ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ! إنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقدِرُ أن يُعَبِّرَ بِلِسانِهِ عَمّا في قَلبِهِ ، ومِنهُم مَن لا يَقدِرُ أن يُبَيِّنَ ما يَجِدُهُ في نَفسِهِ بِلِسانِهِ ، فَإِن تَكَلَّفَ ذلِكَ شَقَّ عَلَيهِ ، وإن سَكَتَ عَمّا في قَلبِهِ بَرِحَ « 2 » بِهِ الهَمُّ

--> ( 1 ) . النساء : 95 . ( 2 ) . بَرِحَ به : شَقّ عليه ، والتبريح : المشقّة والشِدَّة ( النهاية : ج 1 ص 113 « برح » ) .