محمد الريشهري
63
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
ثُمَّ فَعَلَ مَن كانَ مَعَهُ مِن أصحابِهِ مِثلَ ذلِكَ ، ثُمَّ قامَ فَصَلّى رَكعَتَينِ ، فَعَجِبتُ أنَا وفَتَياتُ الحَيِّ مِن ذلِكَ ، وما كانَ عَهدُنا بِالصَّلاةِ ، ولا رَأَينا مُصَلِّياً قَبلَهُ . فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أصبَحنا وقَد عَلَتِ العَوسَجَةُ ، حَتّى صارَت كَأَعظَمِ دَوحَةٍ عالِيَةٍ وأبهى ، وقَد خَضَدَ « 1 » اللَّهُ شَوكَها ، ووَشَجَت عُروقُها وكَثُرَت أفنانُها « 2 » ، وَاخضَرَّ ساقُها ووَرَقُها ، ثُمَّ أثمَرَت بَعدَ ذلِكَ ، فَأَينَعَت بِثَمَرٍ كانَ كَأَعظَمِ ما يَكونُ مِنَ الكَمأَةِ في لَونِ الوَرسِ المَسحوقِ ، ورائِحَةِ العَنبَرِ ، وطَعمِ الشَّهدِ . وَاللَّهِ ، ما أكَلَ مِنها جائِعٌ إلّاشَبِعَ ، ولا ظَمآنُ إلّارَوِيَ ، ولا سَقيمٌ إلّابَرَأَ ، ولا ذوحاجَةٍ وفاقَةٍ إلَّااستَغنى ، ولا أكَلَ مِن وَرَقِها بَعيرٌ ولا ناقَةٌ ولا شاةٌ إلّاسَمِنَت ، ودَرَّ لَبَنُها ، فَرَأَينَا النَّماءَ وَالبَرَكَةَ فِي أموالِنا مُنذُ يَومَ نَزَلَ صلّى اللَّه عليه وآله ، وأخصَبَت بِلادُنا وأمرَعَت ، فَكُنّا نُسَمّي تِلكَ الشَّجَرَةَ المُبارَكَةَ ، وكانَ يَنتابُنا مَن حَولَنا مِن أهلِ البَوادي ، يَستَظِلّونَ بِها ، ويَتَزَوَّدونَ مِن وَرَقِها فِي الأَسفارِ ، ويَحمِلونَ مَعَهُم لِلأَرضِ القِفارِ ، فَيَقومُ لَهُم مَقامَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ . فَلَم تَزَل كَذلِكَ وعَلى ذلِكَ حَتّى أصبَحنا ذاتَ يَومٍ ، وقَد تَساقَطَ ثِمارُها ، وَاصفَرَّ وَرَقُها ، فَأَحزَنَنا ذلِكَ ، وفَزِعنا مِن ذلِكَ ، فَما كانَ إلّاقَليلٌ حَتّى جاءَ نَعيُ رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله ، فَإِذا هُوَ قَد قُبِضَ ذلِكَ اليَومَ . فَكانَت بَعدَ ذلِكَ تُثمِرُ ثَمَراً دونَ ذلِكَ فِي العِظَمِ وَالطَّعمِ وَالرّائِحَةِ ، فَأَقامَت عَلى ذلِكَ نَحوَ ثَلاثينَ سَنَةً ، فَلَمّا كانَ ذاتَ يَومٍ أصبَحنا ، وإذا بِها قَد شاكَت مِن أوَّلِها إلى آخِرِها ، وذَهَبَت نَضارَةُ عيدانِها ، وتَساقَطَت جَميعُ ثَمَرَتِها ، فَما كانَ إلّايَسيرٌ حَتّى وافى خَبَرُ مَقتَلِ أميرِ المُؤمِنينَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السّلام ، فَما أثمَرَت بَعدَ ذلِكَ ،
--> ( 1 ) . الخضد : نزع الشوك عن الشجر ( العين : ص 228 « خضد » ) . ( 2 ) . الفَنَن : الغصن ، جمعه أفنان ( القاموس المحيط : ج 4 ص 256 « فنن » ) .