السيد عبد الله شبر

93

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

قال اللَّه تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ « 1 » . وقال تعالى : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ « 2 » ، ومن جعل التقدير : ليروا جزاء أعمالهم ولم يُرجع ضمير « يره » إلى العمل ، فقد أبعد . وقال الشيخ البهائيّ رحمه الله : الحقّ أنّ الموزون في النشأة الآخرة هو نفس الأعمال لا صحايفها ، وما يقال من أنّ تجسّم العرض طور خلاف طور العقل فكلام ظاهريّ عامّيّ ، والذي عليه الخواصّ من أهل التحقيق : أنّ سنخ الشيء وحقيقته أمر مغاير للصورة التي يتجلّى بها على المشاعر الظاهرة ، ويلبسها لدى المدارك الباطنة ، وأنّه يختلف ظهوره في تلك الصور بحسب اختلاف المواطن والنشئآت ، فيلبس في كلّ موطن لباساً ويتجلبب في كلّ نشأة بجلباب ، كما قالوا : إنّ لون الماء لون إنائه ، وأمّا الأصل الذي تتوارد هذه الصور عليه ويعبّرون عنه تارة لسنخ ، ومرّة بالوجه وأخرى بالروح ، فلا يعلمه إلّاعلّام الغيوب ، فلا بُعد في كون الشيء في موطن عَرَضاً وفي آخر جوهراً . ألا ترى إلى الشيء المبصَر فإنّه إنّما يظهر لحسّ البصر إذا كان محفوفاً بالجلابيب الجسمانيّة ، ملازماً لوضع خاصّ ، وتوسّط بين القرب والبعد المفرطين وأمثال ذلك ، وهو يظهر في الحسّ المشترك عَريّاً من تلك الأمور التي كانت شرط ظهوره لذلك الحسّ . ألا ترى إلى أنّ ما يظهر في اليقظة من صورة العلم فإنّه في تلك النشأة أمر عرضيّ ، ثمّ إنّه يظهر في النوم بصورة اللبن ، فالظاهر في الصورتين سنخ واحد ، تجلّى في كلّ موطن بصورة ، وتحلّى في كلّ نشأة بحلية ، وتزيّا في كلّ عالم بزيّ ، وتسمّى في كلّ مقام باسم ، فقد تجسّم في مقام ما كان عرضاً في مقام آخر .

--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 30 . ( 2 ) . الزلزلة ( 99 ) : 6 - 8 .