السيد عبد الله شبر
62
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ « 1 » وصف جبرئيل بستّة أوصاف شريفة من أوصاف الكمال ، ووصف محمّداً بصفة واحدة هي عدم آفة الجنون ، ولو كانا مثلين في الكمال لكان وصفه بهذه الصفة الواحدة بعد وصف جبرئيل بهذه الصفات حطّاً لشأنه صلى الله عليه وآله وتحقيراً لمنصبه ، وهو غير جائز ، فدلّت الآية على كون جبرئيل أفضل . والجواب : إنّكم توافقونا في أنّ لمحمّد فضائل أخرى لم تذكر في هذا الموضع فلِمَ لا يجوز أن يكون هو صلى الله عليه وآله بتلك الفضائل أفضل من جبرئيل ؟ فإنّه تعالى كما وصف جبرئيل هنا بهذه الصفات الستّة وصف محمّداً صلى الله عليه وآله بصفات ستّة في قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً « 2 » . وبالجملة ، فإفراد أحد الشخصين بالوصف في مقام لا يدلّ على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني . التاسع والعشرون : أنّ الملائكة أكثر علماً فيما يتعلّق بأحوال المبدء والمعاد ؛ لأنّ جبرئيل هو الواسطة بين محمّد صلى الله عليه وآله وبين اللَّه تعالى ، فيستحيل أن يكون النبيّ أفضل منه ؛ لكونه عالماً بجميع الشرائع الماضية والحاضرة وعالماً بشرائع الملائكة وأديانهم وسنّتهم ، فيكون أكثر علماً ، فيكون أفضل ؛ لقوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ « 3 » . والجواب : أنّا نمنع كون الملائكة أكثر علماً فيما يتعلّق بأحوال المبدء والمعاد ، ولا نسلّم أنّهم أعلم من البشر في معرفة الأشياء بدليل استفادتهم علوم الأسماء من آدم عليه السلام . على أنّ الأفضليّة مبنيّة على الإخلاص في العمل ، ولا نسلّم أنّ إخلاص الملائكة أكثر . الثلاثون : قوله تعالى : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ « 4 » دلّت الآية على أنّهم بلغوا في الرتبة أنّهم لو خالفوا أمر اللَّه لما خالفوه إلّابادّعاء الإلهيّة لا بشيء آخر من متابعة الشهوات ، وذلك يدلّ على نهاية جلالتهم .
--> ( 1 ) . التكوير ( 108 ) : 19 - 22 . ( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 45 و 46 . ( 3 ) . الزمر ( 39 ) : 9 . ( 4 ) . الأنبياء ( 21 ) : 29 .