السيد عبد الله شبر
46
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ اللَّه تعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم ، ولهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها ، ووجدنا المحرّم من الأشياء لا حاجة للعباد إليه ، ووجدناه مفسداً داعياً إلى الفناء والهلاك ، ثمّ رأيناه تبارك وتعالى قد أحلّ بعض ما حرّم في وقت الحاجة ؛ لما فيه من الصلاح في ذلك الوقت » « 1 » ، والأخبار في ذلك كثيرة متظافرة . وقد أورد هنا إشكال ، وهو : إنّ اللَّه لا يفعل فعلًا لأجل غرض ؛ لأنّه لو كان كذلك لكان تعالى مستكملًا بذلك الغرض ، والمستكمل بغيره ناقص ، وذلك على اللَّه محال ؛ لأنّه منبع كلّ خير وكمال ، وهذا أصل مستحكم الأساس عند الحكماء الأوائل . لا يقال : إنّ فعله تعالى معلّل بغرض لا يعود إليه بل إلى غيره . لأنّا نقول : عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير أهو أولى به تعالى من عدمه أوليس بأولى ؟ فإن كان أولى به تعالى فيعود المحذور المذكور وإن لم يكن تحصيله غرضاً مؤثّراً أصلًا ، والمفروض له غرض معلّل به فعله تعالى . وأيضاً من فعل فعلًا لغرض كان قاصراً عاجزاً عن تحصيل ذلك الغرض إلّابواسطة ذلك الفعل ، والقصور والعجز محالان على اللَّه تعالى . وأجاب الفيلسوف الصدر الشيرازيّ في تفسيره عن ذلك : بأنّ فعل اللَّه تعالى ليس فعلًا واحداً بل أفعالًا كثيرة حسب كثرة الموجودات الممكنة ، والذي قامت البراهين على أنّه لا يكون معلّلًا بغيره ولا ذا غاية سواه هو فعله الخاصّ الذي صدر عنه أوّلًا وبالذات ، أو فعله المطلق ، فإنّ ما هو أحد هذين فالفاعل والغاية فيه هو ذاته الأحديّة الصمديّة ، وأمّا فعله الذي صدر بعد ذلك فهو معلّل بغرض ، وهكذا لكلّ فعل ذي غرض غرض حتّى تنتهي الدواعي والأغراض والغايات إلى غاية لا غاية لها ، وداعي لا داعي له ، وهو ذاته الذي هو غاية الغايات ، ومنتهى الدواعي والرغبات . فالتراب - مثلًا - فعلٌ من أفاعيله الصادرة عنه باستخدام فاعل طبيعيّ يسمّى الطبيعة الأرضيّة ، وهي ملك من ملائكة التسخير ، يستخدمه فاعل فوقه يسمّى ملك
--> ( 1 ) . علل الشرائع ، ج 2 ، ص 592 ، ح 43 ؛ وعنه في بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 93 ، ح 1 .