السيد عبد الله شبر
31
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
يمكن دوامها من جهة الإمداد العلويّ والإيجاد الفاعليّ إمداداً بعد إمداد وإيجاداً بعد إيجاد . فالحقّ أنّ الحافظ للمزاج أيضاً والمديم لأجزاء المركّب عن التبدّد والتفرّق ليس صور تلك الأجزاء ؛ لأنّها متداعية إلى الانفكاك مقتضية للحركة إلى أحيازها الطبيعيّة ، وإنّما هي مجبورة بقسر قاسر وجبر جابر سلّطه اللَّه عليها يجبرها على الالتئام يمنعها عن الافتراق والانهزام ، وهي صورة أو نفس أو ملك جسمانيّ متعلّق بها حافظ لها ومبقٍ إيّاها لا بالعدد بل بالنوع ، ونوعيّتها وتجدّدها العدديّ لا ينافي شخصيّة المركّب وبقاءه بالصورة ؛ لأنّ مناط الشخصيّة بالصورة لا بالمادّة ، فالحيوان - مثلًا - بدنه في التحلّل والذوبان لعكوف الحرارة الغريزيّة والغريبيّة ، ونار الطبيعة على تحليلها وإذابتها ما دامت حياته ، ومع ذلك شخصيّته باقية تلك المدّة بالصورة الحيوانيّة ، وهي نفسه أو أمر آخر ، لكن الفاعل المديم إن كان أمراً قائماً بالجسم في وجوده أو في فاعليّته فلا يمكن دوامه بالشخص ، وإلّا فيمكن دوامه بالشخص ، ولهذا يجب الحشر فيما يحتمل البقاء من النفوس . فالصواب أن يقال في كيفيّة بقاء الأبدان الاخرويّة وصيرورة هذه تلك مع انحفاظ الشخصيّة بالعدد : أنّ العبرة في ذلك بالنفس لا بالبدن ، فالنفس باقية حافظة للبدن ، أمّا في الدنيا فبإيراد البدل عليه لانضياف الأجسام الغذائيّة إليه ، وأمّا في الآخرة فبإنشاء النشأة الآخرة بمجرّد التصوّرات والجهات الفاعليّة ؛ لأنّ إنشاء الجسم وتصويرها لا عن مادّة وحركة ، بل بمجرّد التصوّر من ديدن القوى المجرّدة ، فإنّ وجود الأفلاك عن مباديها من الملائكة الفعّالة بإذن اللَّه من هذا القبيل ، وكذا الحكم فيما تخطره نفس الإنسان في عالم باطنه وغيبه من الأجسام العظيمة والأشكال العجيبة التي لم تعهد من هذه الأجساد ، والبساتين النزهة التي لم يخلق مثلها في البلاد ، فإنّها جميعاً حصلت من جانب الفاعل بلا مشاركة القابل ، وقياس أمور الآخرة وأحوالها على ما يجده الإنسان ويشاهده من هذا العالم من نقص العقل وقصور الحمكة وضعف البصيرة « 1 » . انتهى كلامه .
--> ( 1 ) . تفسير القرآن الكريم لصدر الدين الشيرازي ، ج 2 ، ص 188 - 191 .