السيد عبد الله شبر
187
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
على الرواية التي ذكر فيها « ثلاث » فلا يستقيم ما ذكره قدس سره ، وليت شعري أيّ إلحاد فيما ذكروه ؟ ولعلّه نسب إليهم الإلحاد من جهة أخرى علمها منهم ، وإنّما ارتكبوا هذا في رواية ليس فيها لفظ الثلاث أيضاً ؛ لأنّ الصلاة ليست من أمور الدنيا بل من أمور الآخرة وأفضلها ، ولو كان المراد ما يقع في الدنيا فلا وجه ظاهراً لتخصيص تلك الأمور بالذكر . ويمكن أن يقال : المراد ما يقع في الدنيا مطلقاً ، والغرض بيان أنّ الأوّلين من اللذّات الدنيويّة أهمّ وأفضل من سائرها ، والأخير من العبادات الدينيّة أهمّ من سائرها ، والحاصل : أنّي أحببت من اللذّات هذين ومن العبادات هذه . ويحتمل وجه آخر بأن يقال : قرّة العين في الصلاة أيضاً من اللذّات التي تحصل للمقرّبين في الدنيا وإن كانت الصلاة من الأعمال الاخرويّة ، فإنّ التذاذ المقرّبين بالصلاة والمناجاة أشهى عندهم من جميع اللذّات ، فلذا عدّها من لذّات الدنيا ، بل يمكن أن يقال : إنّما عدّها في تلك الأمور إشعاراً بأنّ التذاذه صلى الله عليه وآله بالنساء والطيب أيضاً من تلك الجهة ، أي لأنّ اللَّه تعالى ارتضاهما واختارهما لا للشهوة النفسانيّة ، وسيأتي في ذلك تحقيق منّا يقتضي أنّ التذاذهم بنعم الجنّة أيضاً من تلك الجهة ، ولو كان النار - والعياذ باللَّه - دار الاختيار ومرضيّاً للعزيز الجبّار لكانوا طالبين لها ، فلذّاتهم في الدارين مقصورة على ما اختاره لهم مولاهم ، ولا يذعن بهذا الكلام حقّ الإذعان إلّامن سعد بالوصول إلى مقامات المحبّين ، رزقنا اللَّه ذلك وسائر المؤمنين . ثمّ اعلم أنّ القُرّ بالضمّ : ضدّ الحرّ ، والعرب تزعم أنّ دمع الباكي من شدّة السرور بارد ومن الحزن حار ، فقرّة العين كناية عن السرور والظفر بالمطلوب ، يقال : قرّت عينه تقرّ - بالكسر والفتح - قرّة - بالفتح والضمّ « 1 » - انتهى .
--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 79 ، ص 211 - 212 .