السيد عبد الله شبر

86

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

تصوُّر ما يدعوه إلى ذلك الميل ، وتلك الإرادة والتصديق به تصديقاً جازماً أو ظنّاً راجحاً ؛ فالعلم مبدأ مبادئ الأفعال الاختياريّة ، والمراد به هنا هو العلم الأزليّ الذاتيّ الإلهيّ أو القضاء المحفوظ عن التغيير ، فينبعث عنه ما بعده ، وأشار عليه السلام إليه بقوله : « علم » أي : دائماً من غير تبدُّل . وثانيها : المشيّة ، والمراد بها مطلق الإرادة ، سواءاً بلغت حدّ العزم أم لا ، وقد تنفكُّ المشيَّة فينا من الإرادة الحادثة . وثالثها : الإرادة ، وهي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوّره وتصوّر الغاية المترتّبة عليه من خير أو نفع أو لذّة ، لكنّ اللَّه بريء عن أن يفعل لأجل غرض يعود إلى ذاته . ورابعها : التقدير ، فإنّ الفاعل لفعل جزئيّ من أفراد طبيعة واحدة مشتركة إذا عزم على تكوينه في الخارج ، كما إذا عزم الإنسان على بناء بيت فلابدّ قبل الشروع أن يعيّن مكانه الذي يبني عليه ، وزمانه الذي يشرع فيه ، ومقداره الذي يكون عليه من كبر أو صغر ، أو طول أو عرض ، وشكله ووصفه ولونه وغير ذلك من صفاته وأحواله ، وهذه كلّها داخلة في التقدير . وخامسها : القضاء ، وهو إيجاب الفعل واقتضاء الفعل من القوّة الفاعلة المباشرة ، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وهذه القوّة الموجبة لوقوع الفعل منّا هي القوّة التي تقوم في العُضَل والعصب ، من العضو الذي توقع القوّة الفاعلة فيها قبضاً وتشنيجاً وبسطاً وإرخاءاً أوّلًا ، فيتبعه حركة العضو ، فيتبعه صورة الفعل في الخارج من كتابة أو بناء أو غيرهما . والفرق بين هذا الإيجاب وبين وجود الفعل في العين كالفرق بين الميل الذي في المتحرّك وبين حركته ، وقد ينفكّ الميل عن الحركة كما تحسّ يدك من الحجر المسكّن باليد في الهواء . ومعنى هذا الإيجاب والميل من القوّة المحرّكة أنّه لولا أنّ هناك اتّفاق مانع أو دافع من خارج لوقعتِ الحركة ضرورة ؛ إذ لم يبق من جانب الفاعل شيء منتظر . فقوله عليه السلام : « وقضى » إشارة إلى هذا الاقتضاء والإيجاب الذي ذكرنا أنّه لابدّ من تحقّقه قبل الفعل ، قبليّة بالذات لا بالزمان ، إلّاأن يدفعه دافع من خارج ، وليس المراد منه القضاء الأزليّ ؛ لأنّه نفس العلم ، ومرتبة العلم قبل المشيّة