السيد عبد الله شبر

81

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

فهذه الأمور الستّة لابدّ منها في خلق الموجودات . ونظير ذلك - جلّ تعالى عن النظير - أنّ الصانع منّا لشيء لابدّ أن يتصوّر ذلك الشيء أوّلًا ، وأن يتعلّق مشيّته وميله إلى صنعه ثانياً ، وأن يتأكّد العزم عليه ثالثاً ، وأن يقدّر طوله وعرضه وحدوده وصفاته رابعاً ، وأن يشتغل بصنعه وإيجاده خامساً ، وأن يمضي صنعه سادساً حتّى يجيء على وفق ما قدّره ، إلّاأنّ هذه الأمور في صنع الخلق لا تحصل إلّابحيلة وهمّة ، وفكر وشوق ونحوها ، بخلاف صنع الخالق ، فإنّه لا يحتاج إلى شيء ، بل الأشياء محتاجة إليه تعالى . وقوله عليه السلام : ( فأمضى ما قضى . . . ) إلى آخره ، أي فأوجد ما أوجب ، وأوجب ما قدّر ، وقدّر ما أراد . ولعلّه أشار بهذا التفريع إلى أنّ وجود القضاء وتحقّقه دليل على وجود جميع الأمور المذكورة المعتبرة في لحاظ العقل لتحقّقه ؛ لأنّ وجود المسبّب دليل على وجود جميع أسبابه المتعاقبة ، أو لأنّه يمكن اعتبار تلك الأمور وملاحظتها تارة على سبيل التعاقب ، وتارة على سبيل الاجتماع . ولعلّه عليه السلام لم يقل : وأراد ما شاء ، وشاء ما علم ؛ لظهور ذلك ممّا ذكر أوّلًا ، أو لأنّه لا تفاوت بين المشيّة والإرادة إلّابحسب الاعتبار ، وتعلّق المشيّة بكلّ ما علم غير صحيح ؛ لأنّه تعالى عالم بالمفاسد والقبائح وأسبابها . ثمّ استأنف عليه السلام البيان على وجه أوضح وأبين ، فقال عليه السلام : ( فبعلمه كانت المشيّة ) ؛ إذ مشيّة الشيء متوقّفة على العلم به وبجهات حسنه . ( وبمشيّته كانت الإرادة ) أي الإرادة المؤكّدة بالعزم على المشيّة ؛ إذ العزم على الشيء فرع لحصول ذلك الشيء . ( وبإرادته كان التقدير ) ؛ إذ التقدير مسبوق بالإرادة ، كما أنّ الباني يقدّر في نفسه طول البيت وعرضه بعد العزم على بنائه . ( وبتقديره كان القضاء والإيجاب ) ؛ لأنّ خلق الشيء والحكم بوجوده يقع بعد تقديره بقدر معيّن ، ووزن معلوم ، ومقدار مخصوص ، فإنّ القضاء بمنزلة البناء ، والقدر بمنزلة الأساس ، ولا يتحقّق البناء بلا أساس . ( وبقضائه كان الإمضاء ) ؛ إذ الإمضاء هو إتمام القضاء وإنفاذه والفراغ منه ، ولا يتصوَّر ذلك بدون القضاء .