السيد عبد الله شبر

74

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

حتّى يحتاج إلى التأويل والتكلّف ، وإن لم تظهر الحكمة فيه لنا ؛ لعجز عقولنا عن الإحاطة بها ، مع أنّ الحِكَم فيها ظاهرة : منها : أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح والمطّلعين عليه لطفه تعالى بعباده ، وإيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقّونه ، فيزداد به معرفة . ومنها : أن يعلم العباد - بإخبار الرسل والحجج عليهم السلام - أنّ لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم ، ولأعمالهم السيّئة تأثيراً في فسادها ، فيكون داعياً لهم إلى الخيرات ، صارفاً لهم عن السيّئات . فظهر أنّ لهذا اللوح تقدّماً على اللوح المحفوظ من جهة ؛ لصيرورته سبباً لحصول بعض الأعمال ، فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله ، فلا يتوهّم أنّه بعدما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو والإثبات . ومنها : أنّه إذا أخبر الأنبياء والأوصياء أحياناً من كتاب المحو والإثبات ، ثمّ أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به ، ويكون في ذلك تشديداً للتكليف عليهم ، تسبيباً لمزيد الأجر لهم ، كما في سائر ما يبتلي اللَّه عباده به من التكاليف الشاقّة وإيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها ، وبها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين . ومنها : أن تكون هذه الأخبار تسلية لقوم من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء اللَّه وغلبة الحقّ وأهله ، كما روي في قصّة نوح حين أخبر بهلاك القوم ، ثمّ أخّر ذلك مراراً ، وكما روي في فرج أهل البيت عليهم السلام وغلبتهم ؛ لأنّهم عليهم السلام لو كانوا أخبروا الشيعة في أوّل ابتلائهم باستيلاء المخالفين وشدّة محنتهم أنّه ليس فرجهم إلّابعد ألف سنة أو ألفي سنة ليئسوا ورجعوا عن الدين ، ولكنّهم عليهم السلام أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج ، وربّما أخبروهم بأنّه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين ، ويثابوا بانتظار الفرج ، كما سيأتي في باب كراهية التوقيت من كتاب الحجّة ، عن عليّ بن يقطين ، قال : قال لي أبو الحسن عليه السلام : « الشيعة تربّى بالأمانيّ منذ مأتي سنة » . قال : وقال يقطين لابنه عليّ بن يقطين : ما بالنا قيل لنا فكان ، وقيل لكم فلم يكن ؟ قال : فقال له عليّ : إنّ الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد ، غير أنّ أمركم حضر فأعطيتم محضه ، فكان كما قيل لكم ، وأنّ أمرنا لم يحضر فعلّلنا بالأمانيّ ، فلو قيل لنا : إنّ هذا الأمر لا يكون إلّاإلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ، ورجع