السيد عبد الله شبر
426
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
« ثمّ جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدّتها فعلًا منه » أي من جملة أفعاله التي يوجدها في بعض الأجسام « كقوله عزّ وجلّ : « كُنْ فَيَكُونُ » « 1 » و « كن » منه تعالى : صنع ، وما يكون به : المنصوع » . « فالخلق الأوّل من اللَّه عزّ وجلّ : الإبداع » وهو الإيجاد لا عن مثال سبق و « لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حسّ ، والخلق الثاني : الحروف ، لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها ، والخلق الثالث : ما كان من الأنواع كلّها محسوساً ملموساً ذا ذوق منظور إليه ، واللَّه تبارك وتعالى سابق الإبداع « 2 » ؛ لأنّه ليس قبله عزّ وجلّ شيء ولا كان معه شيء . والإبداع سابق للحروف ، والحروف لا تدلّ على غير نفسها » . قال المأمون : وكيف لا تدلّ على غير نفسها ؟ قال الرضا عليه السلام : « لأنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً لغير معنى أبداً ، فإذا ألّف منها أحرفاً أربعة أو خمسة أو ستّة أو أكثر من ذلك أو أقلّ لم يؤلّفها لغير معنى ولم يكن إلّا بمعنى محدَث لم يكن قبل ذلك شيئاً » . قيل : ظاهره إنّ كلّ معنى تدلّ عليه الحروف بعد تأليفها لا يكون ذلك المعنى إلّا حادثاً ، وأمّا الأسماء الدالّة على الذات المقدّسة فإنّما وضعت لمعان محدثة ذهنيّة ، وهي دالّة عليه تعالى ، ولم توضع تلك الحروف أوّلًا لكنه حقيقته المقدّسة ، ولا لكُنْه صفاته الحقيقيّة ؛ لأنّها إنّما وضعت لتعريف الخلق ودعائهم بها ، ولا يتمكّنون من الوصول إلى كنه الذات والصفات ، ولذا قال عليه السلام : « لم يكن إلّالمعنى لم يكن قبل ذلك شيئاً » على أنّه يجوز أن يكون المراد منها غير أسمائه تعالى .
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 117 . ( 2 ) . في المصدر : « للإبداع » .