السيد عبد الله شبر
41
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها ممّا يعتقدون فيه أنّه ينفعهم ، وهو يضرّهم ؛ إذ يقال لهم : « إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ » « 1 » . وبالجملة ، المرء مع من أحبّ ، فمحبوب الأشقياء لمّا كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له ولا أصل ، بل هو متاع الغرور ، فإذا كان يوم القيامة وبرزت حواقُّ الأمر وكسد متاعهم وصار لا شيئاً محضاً ، فيتألّمون بذلك ، ويتمنّون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف ؛ لأنّهم من أهلها ، ليسوا من أهل النشأة الباقية ؛ لأنّهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنّوا بها ، فإذا فارقوها عُذِّبوا بفراقها في نار جهنّم بأعمالهم التي أحاطت بهم . وجميع المعاصي والشهوات يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنيويّة ومحبّتها ، فمن كان من أهلها عُذِّب بمفارقتها لا محالة ، ومن ليس من أهلها ، وإنّما ابتلي بها وارتكبها مع إيمان منه بقبحها أو خوف من اللَّه سبحانه في إتيانها ، فلا جرم يندم على ارتكابها إذا رجع إلى عقله وأناب إلى ربّه ، فتصير ندامته عليها والاعتراف بها وذلّ مقامه بين يدي ربّه حياءاً منه تعالى سبباً لتنوير قلبه ، وهذا معنى تبديل سيّئاتهم حسنات . فالأشقياء إنّما عُذِّبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك ، وشهوتهم له ، وعقد ضمائرهم على فعله دائماً إن تيسّر لهم ؛ لأنّهم كانوا من أهله ومن جنسه « وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » ، « 2 » والسعداء إنّما لم يخلدوا في العذاب ولم يشتدّ عليهم العقاب بما فعلوا من القبائح ؛ لأنّهم ارتكبوا على كره من عقولهم وخوف من ربّهم ؛ لأنّهم لم يكونوا من أهلها ولا من جنسها ، بل أثيبوا بما لم يفعلوا من الخيرات لحنينهم إليه وعزمهم عليه وعقد ضمائرهم على فعله دائماً إن تيسّر لهم ، فإنّما الأعمال بالنيّات ، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ، وإنّما ينوي كلّ ما يناسب طينته وتقتضيه جبلّته ، كما قال اللَّه سبحانه : « قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ » ، « 3 » ولهذا ورد في
--> ( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 98 . ( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 28 . ( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 84 .