السيد عبد الله شبر
399
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
إلى طبيعة أخرى ، فتكون هذه الثانية طبيعة أصليّة ، والكلام فيها عائد من أنّ ما يكون عارضاً غريباً لها يزول عنها بسرعة ، فعلم أنّ أكثر أحوال الشيء الخير والسلامة ، والآفة والشرّ من النوادر الاتّفاقيّة . وبتقرير آخر : إنّ هذا العالم بهذا الصنع الحسن وذاك النمط المتقن الموضوع على نمط غريب وطرز عجيب ، تحيّر فيه العقول ، وتذعن له أولوا الألباب من الفحول ، مرتبط بعضه ببعض كمال الارتباط ، ومحتاج بعضه إلى بعض كمال الاحتياج ، فهو كالإنسان الذي له أعضاء وجوارح وحواسّ ظاهرة وباطنة ، مرتبط بعضها ببعض ، ومحتاج بعضها إلى بعض . وقد ورد في الأخبار أنّه لمّا قال قائل بحضور أحد المعصومين الأطهار : اللّهمّ أغنني عن خلقك نهاه عليه السلام عن ذلك وزجره عمّا هنالك ، وقال : « لا تقل هكذا ، فإنّ الخلق كالأعضاء يحتاج بعضها إلى بعض » ، وفي خبرٍ : « كالأصابع مرتبط بعضها ببعض » ، قل : اللّهمّ أغنني عن شرار خلقك » . « 1 » وحينئذٍ فكما أنّ الإنسان لا تتحقّق فيه الإنسانيّة ، ولا يتمكّن إلّابخلق أعضاء رئيسيّة ، وأعضاء خادمة لتلك الرئيسيّة ، وأعضاء علويّة وأعضاء سفليّة ، بدون ذلك لا يكون إنساناً على نمط حسن وطرز متقن ، فكذا هذا العالم لا يمكن إيجاده إلّاعلى هذا النحو بأن يكون فيه إنسان رئيس وآخر خسّيس ، وهكذا . فكما في الإنسان لا ينسب إليه الظلم ولا يقال : لِمَ جعلت الرجل أسفل والرأس أعلى والأعضاء والجوارح خادمة للقلب ؟ ولِمَ لم تجعل كلّها رئيسيّة ، فكذا هنا لا يمكن أن يقال ذلك بعينه من دون تفاوت أصلًا ، فإنّ الإنسان عالَم صغير وهو أنموذج للعالم الكبير ، وكما لا يخفى على المحقّق الخبير ، والناقد البصير ، ولا ينبّئك مثل خبير . ثانيها : أن يقال : إنّه قد ثبت في موضعه أنّ الماهيّات ليست بجعل جاعل ، وحينئذٍ فبعد ما ثبت أنّ الكافر مستحقّ للعقاب فالعقل يحكم بأنّ إيجاده لا فساد فيه أصلًا ،
--> ( 1 ) . انظر : بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 135 ؛ مستدرك الوسائل ، ج 5 ، ص 262 ، ج 5830 .