السيد عبد الله شبر

351

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

وقال الأشاعرة في الردّ عليهم : لو لم يكن الحرام رزقاً لم يكن المتغذّي به طول عمره مرزوقاً ، وليس كذلك لقوله تعالى : « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها » « 1 » . وفيه نظر ، فإنّ الرزق عند المعتزلة أعمّ من الغذاء وهم لم يشترطوا الانتفاع بالفعل ، فالمتغذّي طول عمره بالحرام إنّما يرد عليهم لو لم ينتفع مدّة عمره بشيء انتفاعاً محلّلًا ولا بشرب الماء والتنفّس في الهواء ، بل ولا تمكّن من الانتفاع بذلك أصلًا ، وظاهر أنّ هذا ممّا لا يوجد . وأيضاً فلهم أن يقولوا : لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئاً محلّلًا ولا محرّماً يلزم أن يكون غير مرزوق ، فما هو جوابكم فهو جوابنا . هذا ، ولا يخفى أنّ الأحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة ، والمعتزلة تمسّكوا بهذا الحديث ، وهو صريح في مدّعاهم غير قابل للتأويل . والأشاعرة تمسّكوا بما رووه عن صفوان بن اميّة ، قال : كنّا عند رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذ جاء عمرو بن قرّة فقال : يا رسول اللَّه ، إنّ اللَّه كتب عليّ الشقوة ، فلا أراني ارزق إلّامن دفّي « 2 » بكفّي ، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة . فقال صلى الله عليه وآله : « لا آذنُ لك ولا كرامة ولا نعمة ، أي عدوّ اللَّه ، لقد رزقك اللَّه طيّباً فاخترت ما حرّم اللَّه عليك من رزقه مكان ما أحلّ اللَّه لك من حلاله ! أمّا إنّك لو قلت بعد هذه المقالة ضربتك ضرباً وجيعاً » . والمعتزلة يطعنون في سند هذا الحديث تارة ، ويؤوّلونه - على تقدير سلامته - أخرى ، بأنّ سياق الكلام يقتضي أن يُقال : فاخترت ما حرّم اللَّه عليك من حرامه ، مكان : ما أحلّ اللَّه لك من حلاله ، وإنّما قال صلى الله عليه وآله : « من رزقه » ، مكان : من حرامه ، فأطلق على الحرام اسم الرزق بمشاكلة قوله : فلا أراني ارزق ، وقوله صلى الله عليه وآله : « لقد رزقك اللَّه » . وهذا كما يقوله من يخصُّ الثناء باللسان في قوله صلى الله عليه وآله : « لا احصي ثناءاً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » ، إنّه من باب المشاكلة لقوله : ثناء عليك ، وأنّ المراد : أنت كما

--> ( 1 ) . هود ( 11 ) : 6 . ( 2 ) . الدفّ : آلة طرب تضرب به النساء وجمعه : دفوف . انظر لسان العرب ، ج 9 ، ص 104 ( دفف ) .