السيد عبد الله شبر
341
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
وقد قيل : إنّ للقضاء معنى خامساً وهو الفراغ من الأمر ، واستُشهد على ذلك بقول يوسف عليه السلام : « قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ » « 1 » يعني فرغ منه ، وهذا يرجع إلى معنى الخلق . وإذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبّرة : أنّ اللَّه تعالى قضى بالمعصية على خلقه ؛ لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونوا يريدون به أنّ اللَّه خلق العصيان في خلقه فكان يجب أن يقولوا : قضى في خلقه بالعصيان ولا يقولوا قضى عليهم ؛ لأنّ الخلق فيهم لا عليهم ، مع أنّ اللَّه تعالى قد أكذب من زعم أنّه خلق المعاصي بقوله سبحانه : « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » « 2 » كما مرّ . ولا وجه لقولهم : قضى المعاصي على معنى أنّه أمر بها ؛ لأنّه تعالى قد أكذب مدّعي ذلك بقوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » « 3 » . ولا معنى لقول من زعم : أنّه قضى بالمعاصي على معنى أنّه أعلم الخلق بها ؛ إذ كان الخلق لا يعلمون أنّهم في المستقبل يطيعون أو يعصون ، ولا يحيطون علماً بما يكون منهم في المستقبل على التفصيل ، ولا وجه لقولهم : أنّه قضى بالذنوب على معنى أنّه حكم بها بين العباد ؛ لأنّ أحكام اللَّه تعالى حقّ والمعاصي منهم ، ولا لذلك فائدة ، وهو لغو بالاتّفاق ؛ فبطل قول من زعم أنّ اللَّه تعالى يقضي بالمعاصي والقبايح . والوجه عندنا في القضاء والقدر - بعد الذي بيّنّاه - أنّ للَّهتعالى في خلقه قضاءاً وقدراً ، وفي أفعالهم أيضاً قضاءاً وقدراً معلوماً ، ويكون المراد بذلك أنّه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها ، وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها ، وفي أنفسهم بالخلق لها ، وفيما فعله فيهم بالإيجاد له ، والقدر منه سبحانه فيما فعله ، إيقاعه في حقّه وموضعه ، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي
--> ( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 41 . ( 2 ) . السجدة ( 32 ) : 7 . ( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 28 .