السيد عبد الله شبر

330

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

والعبادة ليس ممّا يتغيّر ويختلف حتّى يخلق قوماً للطاعة ، وآخرين للمعصية ، ويجوز أن يريد بذلك الأمر ، وإن كان ظاهره ظاهر الخبر ، فكأنّه قال : لا تبدّلوا ما خلقكم اللَّه له من الدين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا . والوجه الآخر في تأويل قوله : « على الفطرة » أن يكون المراد به الخلقة ، وتكون لفظة « على » على ظاهرها لم يُرَد بها غيره ، ويكون المعنى : كلّ مولود يولد على الخلقة الدالّة على وحدانيّة اللَّه وعبادته والإيمان به ؛ لأنّه عزّ وجلّ قد صوّر الخلق وخلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته والإيمان به وإن لم ينظروا ولم يعرفوا ، فكأنّه صلى الله عليه وآله قال : كلّ مخلوق ومولود ، فهو يدلُّ بصورته وخلقته على عبادة اللَّه تعالى وإن عدل بعضهم فصار يهوديّاً أو نصرانيّاً ، فهذا الوجه أيضاً يحتمله قوله تعالى : « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » . وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى الفطرة ، فقوله صلى الله عليه وآله : « حتّى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه » يحتمل وجهين : أحدهما : أنّ من كان يهوديّاً أو نصرانيّاً ممّن خلقتُه لعبادتي وديني فإنّما جعله أبواه كذلك ، أو من جرى مجراهما ممّن أوقع له الشبهة ، وقلّده الضلال عن الدين ، وإنّما خصّ الأبوين لأنّ الأولاد في الأكثر ينشؤون على مذاهب آبائهم ، ويألفون أديانهم ونحلتهم ، ويكون الغرض بالكلام تنزيه اللَّه تعالى عن ضلال العباد وكفرهم ، وأنّه إنّما خلقهم للإيمان فصدّهم عنه آباؤُهم ، أو من جرى مجراهم . والوجه الآخر أن يكون « يهوّدانه وينصّرانه » أي يلحقانه بأحكامهما ؛ لأنّ أطفال أهل الذمّة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم ، فكأنّه صلى الله عليه وآله قال : لا تتوهّموا - من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم - أنّهم خلقوا لدينهم ، بل لم يخلقوا إلّا للإيمان والدين الصحيح ، لكنّ آباءهم هم الذين أدخلوهم في أحكامهم . « 1 » انتهى ملخّصاً . أقول : لا يحتاج في تأويل الخبر إلى هذه التكلّفات والتأويلات ، ولا إشكال في

--> ( 1 ) . الأمالي ، ج 4 ، ص 3 - 4 .