السيد عبد الله شبر
301
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
يتدبّروا كيف جعل اللَّه تعالى إدخال مقدار الحشفة موجباً للقتل والحرق في اللواط ونحو ذلك من الأحكام التي تعجز عن إدراكها العقول والأفهام ؟ ! على أنّ ذلك إنْ تمّ منع أصل العذاب والعقاب في النار وهم لا يقولون به ، مع أنّ اللَّه تعالى يقول في محكم كتابه في شأن أهل النار : « وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » « 1 » ، ويقول سبحانه : « وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا » « 2 » ونحوهما من الآيات والروايات . وسيّد الساجدين وزين العابدين عليه السلام يقول في الصحيفة الكاملة : « إلهي ، لو بكيت إليك حتّى تسقط أشفار عيني ، وانتحبت حتّى ينقطع صوتي ، وقمت لك حتّى تنتشر قدماي ، وركعت لك حتّى ينخلع صلبي ، وسجدت لك حتّى تتفقّأ حدقتاي ، وأكلت تراب الأرض طول عمري ، وشربت ماء الرماد آخر دهري ، وذكرتك في خلال ذلك حتّى يكلّ لساني ، ثمّ لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياءاً منك ، ما استوجبت بذلك محو سيّئة واحدة من سيّئاتي ، وإن كنتَ تغفر لي حين أستوجب مغفرتك ، وتعفو عنّي حين استحقُّ عفوك ، فإنّ ذلك غير واجب لي باستحقاق ، ولا أنا أهل له باستيجاب ، إذ كان جزائي منك في أوّل ما عصيتك النار ؛ فإن تعذّبني فأنت غير ظالم لي . . . » . « 3 » هذا مع أنّهم اعترفوا بأنّ العذاب ليس بفعل منتقم خارجيّ ، بل هو من لوازم أفعالهم ، ونتائج اعتقاداتهم ومعاصيهم ، فإذا كانت العقوبة والعذاب من نتائج الأعمال والمعاصي ، فأيّ ضرر في أن تكون الأعمال والاعتقادات نتيجة وثمرة « 4 » لدوام العقاب ؟ وتوضيح المقام : أنّ تكليف اللَّه عباده يجري مجرى تكليف الطبيب والمريض ، فإذا غلبت عليه الحرارة أمره بشرب المبرّدات ، وهو غنيّ عن شربه ، لا يضرّه مخالفته ولا
--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 28 . ( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 72 . ( 3 ) . الصحيفة السجاديّة ، ص 89 . ( 4 ) . كذا ، والأنسب : « منتجة ومثمرة » .