عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي
408
مختصر تفسير القمي
وأقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على حمار ، عليه قطيفة ، وكان حول الحصن نخل كثير ، فأشار إليه رسول اللَّه يمنة ويسرة ، فتباعد عن الحصن وتفرّق في المفازة ، ثمّ دنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من حصنهم ، فقال : « يا إخوة القردة والخنازير ، وعبدة الطاغوت ، أتشتموني ؟ ! إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم » . فأشرف عليهم كعب بن أسد من الحصن ، فقال : واللَّه - يا أبا القاسم - ما كنت جهولًا . فاستحيا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حتّى سقط الرداء عن ظهره حياء مما قال ، وأنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله العسكر حول حصنهم ، فحاصرهم فبقوا ثلاثة أيّام » . أقول : المشهور أنّهم بقوا اثنين وعشرين يوماً . فلم يطلع منهم أحد رأسه ، فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام نزل إليه غزال بن شمول ، فقال : يا محمّد ، تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير ؟ إحقن دماءنا ، ونخلي لك البلاد وما فيها ، ولا نكتمك شيئاً . فقال : « لا ، أو تنزلون على حكمي » . فرجع ، وبقوا أياماً ، فبكت النساء والصبيان إليهم ، وجزعوا جزعاً شديداً ، ونادوا يا محمّد ، ابعث إلينا أبا لبابة « 1 » لنستشيره في أمرنا . فقال : « سر إليهم » ، فدخل الحصن فلمّا نظر إلى حُيي بن أخطب قال : أمّا ما دام هذا بينكم فلا تفلحون . قالوا له : يا أبا لبابة ! ما ترى ؟ قد أبي محمّد أن يزول عنا حتّى ننزل على حكمه ؟ قال : إنزلوا على حكمه واعلموا أنّه الذبح ، وأشار بيده إلى حلقه . ثمّ ندم وقال : خنت اللَّه ورسوله ، وجاء كما هو إلى المدينة ، فعقد في عنقه حبلًا وشدّه إلى الأسطوانة التي تسمّى : أسطوانة التوبة ، وقال : لا أفتحه حتّى أموت أو يرضى اللَّه عنّي ، فبلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : لو أتانا لاستغفرنا له ، فأمّا إذ قصد إلى ربّه فاللَّه أولى به . فلمّا اشتدّ عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالرجال فكتّفوا ، وكانوا سبع مائة ، وأمر بالنساء والصبيان فعزلن .
--> ( 1 ) . هو أبو لبابة بن عبد المنذر ، أخو بني عمرو بن عوف ، وكانوا حلفاء الأوس