عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي

400

مختصر تفسير القمي

وأقبلت قريش ، ومعهم حُيي بن أخطب ، فلمّا نزلوا العقيق جاء حُيي بن أخطب إلى بني قريظة « 1 » ، فقال لهم : أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمّد . فأخرجوه ، فأخذه حيي بن أخطب ومزّقه ، وقال : قد وقع الأمر ، فتجهّزوا وتهيّأوا للقتال . « 2 »

--> ( 1 ) . في الأصل زيادة ما يلي « في جوف الليل ، وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فدق باب‌الحصن ، فسمع كعب بن أسد قرع الباب ، فقال لأهله : هذا أخوك قد شأم قومه ، وجاء الآن يشأمنا ويهلكنا ، ويأمرنا بنقض العهد بيننا وبين محمّد ، وقد وفى لنا محمّد ، وأحسن جوارنا . فنزل إليه من غرفته ، فقال له : من أنت ؟ قال : حُيي بن أخطب ، قد جئتك بعزّ الدهر . قال كعب : بل جئتني بذلّ الدهر . فقال : يا كعب ، هذه قريش في قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق ، مع حلفائهم من كنانة ، وهذه فزارة ، مع قادتها وسادتها قد نزلت الزغابة ، وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان ، ولا يفلت محمّد وأصحابه من هذا الجمع أبداً ، فافتح الباب ، وانقض العهد الذي بينك وبين محمّد . فقال كعب : لست بفاتح لك الباب ، ارجع من حيث جئت . فقال حيي : ما يمنعك من فتح الباب إلّاجشيشتك التي في التنور ، تخاف أن أشركك فيها ، فافتح فإنّك آمن من ذلك . فقال له كعب : لعنك اللَّه ، لقد دخلت علي من باب دقيق . ثمّ قال : افتحوا له الباب . ففتحوا له ، فقال : ويلك - يا كعب - انقض العهد الذي بينك وبين محمّد ، ولا ترد رأيي ، فإن محمّداً لا يفلت من هذا الجمع أبداً ، فإنّ فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبداً . قال : فاجتمع كلّ من كان في الحصن من رؤساء اليهود ، مثل : غزال بن شمول ، وياسر بن قيس ، ورفاعة بن زيد ، والزبير بن باطا ، فقال لهم كعب : ما ترون ؟ قالوا : أنت سيّدنا والمطاع فينا وصاحب عهدنا وعقدنا ، فإن نقضت نقضنا ، وإن أقمت أقمنا معك ، وإن خرجت خرجنا معك . فقال الزبير بن باطا - وكان شيخاً كبيراً مجرباً ، قد ذهب بصره - : قد قرأت التوراة التي أنزلها اللَّه في سفرنا بأنّه يبعث نبيّ في آخر الزمان ، يكون مخرجه بمكّة ، ومهاجرته إلى المدينة في هذه البحيرة . يركب الحمار العري ، ويلبس الشملة ، ويجتزئ بالكسيرات والتميرات ، وهو الضحوك القتال ، في عينيه الحمرة ، وبين كتفيه خاتم النبوّة ، يضع سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لاقى ، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر ، فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم ، ولو ناوأته هذه الجبال الرواسي لغلبها . فقال حيي : ليس هذا ذاك ، ذاك النبي من بني إسرائيل ، وهذا من العرب ، من ولد إسماعيل ، ولا يكون بنو إسرائيل أتباعاً لولد إسماعيل أبدا ، لأنّ اللَّه قد فضّلهم على الناس جميعاً ، وجعل فيهم النبوّة والملك ، وقد عهد إلينا موسى ألّا نؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النار ، وليس مع محمّد آية ، وإنّما جمعهم جمعاً ، وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك . فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتّى أجابوه » ( 2 ) . في الأصل زيادة : « وبلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ذلك ، فغمّه غمّاً شديداً . وفزع أصحابه ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لسعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وكانا من الأوس ، وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس ، فقال لهما : ائتيا بني قريظة ، فانظرا ما صنعوا ، فإن كانوا نقضوا العهد ، فلا تعلما أحداً إذا رجعتما إلي ، وقولا : عضل والقارة . فجاء سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير إلى باب الحصن ، فأشرف عليهما كعب من الحصن ، فشتم سعداً ، وشتم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فقال له سعد : إنّما أنت ثعلب في جحر ، لتولين قريش ، وليحاصرنك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، ولينزلنك على الصغر والقماءة . الصغر : الذلّ والضيم . ( أقرب الموارد ، ج 1 ، ص 649 ، - صغر - ) . وقمأ الرجل قماءة : ذلّ وصغر . ( لسان العرب ، ج 1 ، ص 134 - قمأ ) . وليضربنّ عنقك ، ثمّ رجعا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فقالا له : عضل والقارة . فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « لعنا ، نحن أمرناهم بذلك » وذلك أنّه كان على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عيون لقريش يتجسسون خبره ، وكانت عضل والقارة قبيلتان من العرب ، دخلتا في الإسلام ، ثمّ غدرتا ، فكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل ، فيقال : عضل والقارة . ورجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش ، وأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، ففرحت قريش بذلك