عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي

398

مختصر تفسير القمي

بنفسه ، وأمير المؤمنين عليه السلام ينقل التراب عن الحفرة ، حتّى عرق رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأعيا ، وقال : « لا عيش إلّاعيش الآخرة ، اللّهم اغفر للمهاجرين والأنصار » . فلمّا نظر الناس إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يحفر ، اجتهدوا في الحفر ، ونقلوا التراب . فلمّا كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر ، وقعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في مسجد الفتح ، فبينا المهاجرون والأنصار يحفرون ، إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه ، فبعثوا جابر بن عبد اللَّه الأنصاري إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يُعلمه بذلك . قال جابر : فجئت إلى المسجد ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله مستلقٍ على قفاه ، ورداؤه تحت رأسه ، وقد شدّ على بطنه حِجْراً ، فقلت : يا رسول اللَّه ، إنّه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه . فقام مسرعاً حتّى جاءه ، ثمّ دعا بماء في إناء ، فغسل وجهه وذراعيه ، ومسح على رأسه ورجليه ، ثمّ شرب ومجّ من ذلك الماء في فيه ثمّ صبّه على ذلك الحجر ، ثمّ أخذ معولًا فضرب ضربة ، فبرقت برقة ، فنظرنا فيها إلى قصور الشام . ثمّ ضرب أخرى ، فبرقت أخرى ، فنظرنا فيها إلى قصور المدائن . ثمّ ضرب أخرى فبرقت برقة أخرى ، فنظرنا فيها إلى قصور اليمن . فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « إنّ اللَّه سيفتح عليكم هذه المواطن التي برق فيها البرق » . ثمّ انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل . فقال جابر : فعلمت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مقوٍ - أي : جائع - لمّا رأيت على بطنه الحِجْر ، فقلت : يا رسول اللَّه ، هل لك في الغذاء ؟ قال : « ما عندك ، يا جابر ؟ » فقلت : عناق « 1 » ، وصاع من شعير . فقال : « تقدّم ، وأصلح ما عندك » . قال جابر : فجئت إلى أهلي ، فأمرتها ، فطحنت الشعير ، وذبحت العنز وسلختها ، وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي ، فلمّا فرغت من ذلك جئت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فقلت : بأبي أنت وامّي - يا رسول اللَّه - قد فرغنا ، فاحضر مع من أحببت ، فقام صلى الله عليه وآله على شفير الخندق ، ثمّ قال : « يا معاشر المهاجرين والأنصار ، أجيبوا جابراً » .

--> ( 1 ) . العناق : الأنثى من المعز . لسان العرب ، ج 10 ، ص 274 ( عنق )