عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي

364

مختصر تفسير القمي

اصفرّ لونك ؟ فقالت : أخاف أن يذبح ولدي . فقالت : لا تخافي . وكان موسى لا يراه أحد إلّاأحبّه ، وهو قول اللَّه : « وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي » ، فأحبّته القبطّية الموكّلة به . وأنزل اللَّه على امّ موسى التابوت ، ونوديت امّه ، وقال : ألقيه في اليمّ ، وهو البحر « وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » ، فوضعته في التابوت ، وألقته في النيل « 1 » . وكان لفرعون قصور على شط النيل متنزّهات ، فنزل من قصره ومعه آسية امرأته ، فنظر إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج ، والرياح تضربه ، حتّى جاءت به إلى باب قصر فرعون ، فأمر فرعون بأخذه ، فأخذ التابوت ، ورفع إليه ، فلمّا فتحه وجد فيه صبيّاً ، فقال : هذا إسرائيليّ . وألقى اللَّه في قلب فرعون لموسى محبّة شديدة ، وكذلك في قلب آسية ، وأراد فرعون أن يقتله ، فقالت آسية : « لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » أنّه موسى عليه السلام ، ولم يكن لفرعون ولد ، فقال : ائتوا له بظئر تربّيه . فجاءوا بعدّة نساء قد قتل أولادهنّ ، فلم يشرب لبن أحدٍ من النساء ، وهو قول اللَّه : « وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ » . وبلغ امّه أنّ فرعون قد أخذه ، فحزنت وبكت ، كما قال : « وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً » . . . الآية « 2 » ، ثمّ قالت لُاخت موسى : « قُصِّيهِ » أي : اتبعيه ، فانظري ماذا صنعوا به ، وهو قوله : « فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ » أي : عن قرب . أقول : « عَنْ جُنُبٍ » ، أي : عن بُعد ، ومنه قوله : « وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ » ، « 3 » أي : البعيد وسمّيت الجنابة جنابة ؛ لأنّها تُبعد عن الصلاة ودخول المساجد ونحو ذلك . فقالت أخت أمّ موسى : أقول : المشهور أنّها كانت أخت موسى ، والآية دليل على ذلك ؛ فإنّه قال : « وَقالَتْ

--> ( 1 ) . العبارة في الأصل هكذا : « ونوديت امّه : ضعيه في التابوت فاقذفيه في اليم ، وهو البحر « وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » ، فوضعته في التابوت ، وأطبقت عليه ، وألقته في النيل . . . » ( 2 ) . في « ب » زيادة : « فضبطت نفسها وكادت أن تموت ، وهو قوله : « وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً » » ( 3 ) . النساء ( 4 ) : 36