عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي

240

مختصر تفسير القمي

فبقي هود في قومه يدعوهم إلى اللَّه ، وينهاهم عن عبادة الأصنام حتّى خصبت بلادهم ، وأنزل اللَّه عليهم المطر ، وهو قوله عزّ وجلّ : « وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ » فقالوا - كما حكى اللَّه - : « قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ » إلى آخر الآية ، فلمّا لم يؤمنوا أرسل اللَّه عليهم الريح الصرصر ، يعني : الباردة ، وهو قوله في سورة اقتربت « 1 » : « كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ » « 2 » . وحكى في سورة الحاقّة ، فقال : « وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً » « 3 » ، وكانت الأحقاف بلادهم . وقوله : « فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ » « 4 » ، قال : « كان القمر منحوساً بزحل سبع ليال وثمانية أيّام » ، وقيل : « هو آخر أربعاء في الشهر » . « 5 » وقوله : « كان القمر منحوساً بزحل » صريح في أنّ الكواكب لها تأثير في العالم ، لكن بتقدير العزيز العليم . [ 61 - 67 ] وأمّا قوله : « وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً » . . . الآية ، عن الصادق عليه السلام : « إنّ اللَّه - تبارك وتعالى - بعث صالحا إلى ثمود وهو ابن ستّ عشرة سنة » . أقول : قوله : ابن ستّ عشر سنة ، هذا يكذّب من ادّعى أنّ الأنبياء ما نبّئ الواحد منهم إلّابعد الأربعين ؛ فإنّ عيسى نبّئ في المهد ، وموسى بعد الثمانين . فلبث فيهم حتّى بلغ مائة وعشرين سنة ، لا يجيبوه إلى خير ، وكان لهم سبعون صنماً يعبدونها من دون اللَّه « 6 » ، فبعث اللَّه عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا ، وهو قوله : فَأَخَذَتْهُمُ

--> ( 1 ) . في البرهان : « سورة القمر » ( 2 ) . القمر ( 54 ) : 18 - 19 ( 3 ) . الحاقّة ( 69 ) : 6 - 7 ( 4 ) . فصّلت ( 41 ) : 16 ( 5 ) . رواه البحراني في البرهان ، ج 3 ، ص 115 ، عن تفسير القمّي ( 6 ) . في الأصل زيادة : « فلمّا رأى ذلك منهم قال لهم : يا قوم بعثت إليكم وأنا ابن ستّ عشرة سنة ، وقد بلغت‌عشرين ومائة سنة ، وأنا أعرض عليكم أمرين : إن شئتم فاسألوني مهما أردتم حتّى أسأل إلهي فيجيبكم ، وإن شئتم سألت آلهتكم ؛ فإن أجابتني خرجت عنكم ، فقالوا : أنصفت ، فأمهلنا . فأقبلوا يتعبّدون ثلاثة أيّام ويتمسّحون بالأصنام ويذبحون لها ، وأخرجوها إلى سفح الجبل ، وأقبلوا يتضرّعون إليها ، فلمّا كان اليوم الثالث قال لهم صالح عليه السلام : قد طال هذا الأمر ، فقالوا له : سل من شئت ، فدنا إلى أكبر صنم لهم ، فقال : ما اسمك ؟ فلم يجبه ، فقال لهم : ما له لا يجيبني ؟ قالوا له : تنحّ عنه ، فتنحّى عنه ، وأقبلوا إليه ، ووضعوا على رؤوسهم التراب ، وضجّوا وقالوا : فضحتنا ونكست رؤوسنا ، وقال صالح : قد ذهب النهار ، فقالوا : سله ، فدنا منه فكلّمه ، فلم يجبه ، فبكوا وتضرّعوا ، حتّى فعلوا ذلك ثلاث مرّات ، فلم يجبهم بشيء ، فقالوا : إنّ هذا لا يجيبك ، ولكنا نسأل إلهك ، فقال لهم : سلوا ما شئتم ، فقالوا : سله أن يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء شقراء عشراء - أي : حاملة - تضرب بمنكبيها طرفي الجبلين ، وتلقى فصيلها من ساعتها ، وتدرّ لبنها . فقال صالح : إنّ الذي سألتموني عندي عظيم وعند اللَّه هيّن ، فقام وصلّى ركعتين ، ثمّ سجد وتضرّع إلى اللَّه ، فما رفع رأسه حتّى تصدّع الجبل ، وسمعوا له دويَاً شديداً ( أي صوتاً شديداً ) فزعوا منه ، وكادوا أن يموتوا منه ، فطلع رأس الناقة وهي تجترّ ، فلمّا خرجت ألقت فصيلها ، ودرّت لبنها . فبهتوا وقالوا : قد علمنا يا صالح أنّ ربّك أعزّ وأقدر من آلهتنا التي نعبدها . وكان لقريتهم ماء ، وهي الحجر التي ذكرها اللَّه تعالى في كتابه ، وهو قوله : « كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ » ( الحجر ( 15 ) : 80 ) ، وقد تقدّم بعض الحديث عن هذا الماء ، عند نقل قصّة أبي ذرّ ، في تفسير الآية ( 42 ) من سورة التوبة ( 9 ) ، فراجع . ) فقال لهم صالح : لهذه الناقة شرب ، أي تشرب ماءكم يوماً وتدرّ لبنها عليكم يوماً ، وهو قوله عزّ وجلّ : « لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ » ( الشعراء ( 26 ) : 155 - 156 ) ، فكانت تشرب ماءهم يوماً ، وإذا كان من الغد وقفت وسط قريتهم ، فلا يبقى في القرية أحد إلّاحلب منها حاجته ، وكان فيهم تسعة من رؤسائهم كما ذكر اللَّه في سورة النمل : « وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ » ( النمل ( 27 ) : 48 ) ، فعقروا الناقة ورموها حتّى قتلوها ، وقتلوا الفصيل ، فلمّا عقروا الناقة قالوا لصالح : « فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ » ( الأعراف ( 7 ) : 70 ) ووردت العبارة في النسخ هكذا : « إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » ، قال صالح : « تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ » ، ثمّ قال لهم : وعلامة هلاككم أنّه تبيضّ وجوهكم غداً ، وتحمرّ بعد غد ، وتسودّ في اليوم الثالث ، فلمّا كان من الغد نظروا إلى وجوههم وقد ابيضّت مثل القطن ، فلمّا كان اليوم الثاني احمرّت مثل الدم ، فلمّا كان اليوم الثالث اسودّت وجوههم