محمد الريشهري

526

كنز الدعاء

فَوَجَدتُهُ في مُصَلّاهُ في بَيتِهِ ، فَجَلَستُ حَتّى قَضى صَلاتَهُ ، فَسَمِعتُهُ وهُوَ يُناجي رَبَّهُ ويَقولُ : « يا مَن خَصَّنا بِالكَرامَةِ ، وخَصَّنا بِالوَصِيَّةِ ، ووَعَدَنَا الشَّفاعَةَ ، وأَعطانا عِلمَ ما مَضى وما بَقِيَ ، وجَعَلَ أفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إلَينا ، اغفِر لي ولِإِخواني ولِزُوّارِ قَبرِ أبي عَبدِ اللَّهِ الحُسَينِ عليه السلام ، الَّذينَ أنفَقوا أموالَهُم وأَشخَصوا أبدانَهُم رَغبَةً في بِرِّنا ، ورَجاءً لِما عِندَكَ في صِلَتِنا ، وسُروراً أدخَلوهُ عَلى نَبِيِّكَ صَلَواتُكَ عَلَيهِ وآلِهِ ، وإجابَةً مِنهُم لِأَمرِنا ، وغَيظاً أدخَلوهُ عَلى عَدُوِّنا أرادوا بِذلِكَ رِضاكَ ، فَكافِهِم عَنّا بِالرِّضوانِ ، وَاكلَأهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ ، وَاخلُف عَلى أهاليهِم وأَولادِهِمُ الَّذينَ خُلِّفوا بِأَحسَنِ الخَلَفِ ، وَاصحَبهُم وَاكفِهِم شَرَّ كُلِّ جَبّارٍ عَنيدٍ ، وكُلِّ ضَعيفٍ مِن خَلقِكَ أو شَديدٍ ، وشَرَّ شَياطينِ الإِنسِ وَالجِنِّ ، وأَعطِهِم أفضَلَ ما أمَّلوا مِنكَ في غُربَتِهِم عَن أوطانِهِم ، وما آثَرونا بِهِ عَلى أبنائِهِم وأَهاليهِم وقَراباتِهِم . اللَّهُمَّ إنَّ أعداءَنا عابوا عَلَيهِم خُروجَهُم فَلَم يَنهَهُم ذلِكَ عَنِ الشُّخوصِ إلَينا ، وخِلافاً مِنهُم عَلى مَن خالَفَنا ، فَارحَم تِلكَ الوُجوهَ الَّتي قَد غَيَّرَتهَا الشَّمسُ ، وَارحَم تِلكَ الخُدودَ الَّتي تَقَلَّبَت عَلى حُفرَةِ أبي عَبدِ اللَّهِ عليه السلام ، وَارحَم تِلكَ الأعيُنَ الَّتي جَرَت دُموعُها رَحمَةً لَنا ، وَارحَم تِلكَ القُلوبَ الَّتي جَزَعَت وَاحتَرَقَت لَنا ، وَارحَمِ الصَّرخَةَ الَّتي كانَت لَنا ، اللَّهُمَّ إنّي أستَودِعُكَ تِلكَ الأَنفُسَ ، وتِلكَ الأَبدانَ ، حَتّى نُوافِيَهُم عَلَى الحَوضِ يَومَ العَطَشِ » . فَما زالَ وهُوَ ساجِدٌ يَدعو بِهذَا الدُّعاءِ ، فَلَمَّا انصَرَفَ قُلتُ : جُعِلتُ فِداكَ ، لَو أنَّ هذَا الَّذي سَمِعتُ مِنكَ كانَ لِمَن لا يَعرِفُ اللَّهَ لَظَنَنتُ أنَّ النّارَ لا تَطعَمُ مِنهُ شَيئاً ، وَاللَّهِ لَقَد تَمَنَّيتُ أن كُنتُ زُرتُهُ ولَم أحُجَّ ! فَقالَ لي : ما أقرَبَكَ مِنهُ ! فَمَا الَّذي يَمنَعُكَ مِن إتيانِهِ ؟ ! ثُمَّ قالَ : يا مُعاوِيَةُ ، لِمَ تَدَعُ