محمد الريشهري

413

كنز الدعاء

كَعبي عَلَيهِ ، وجَعَلتَ ما سَدَّدَهُ مَردوداً عَلَيهِ ، فَرَدَدتَهُ لَم يَشفِ غَيظَهُ ، ولَم يَسكُن غَليلُهُ ، قَد عَضَّ عَلى شَواهُ « 1 » ، وأَدبَرَ مُوَلِّياً قَد أخلَفَت سَراياهُ . وكَم مِن باغٍ بَغاني بِمَكائِدِهِ ، ونَصَبَ لي شَرَكَ مَصائِدِهِ ، ووَكَّلَ بي تَفَقُّدَ رِعايَتِهِ ، وأَضبَأَ إلَيَّ إضباءَ السَّبُعِ لِطَريدَتِهِ ؛ انتِظاراً لِانتِهازِ الفُرصَةِ لِفَريسَتِهِ ، وهُوَ يُظهِرُ لي بَشاشَةَ المَلَقِ ، ويَنظُرُني عَلى شِدَّةِ الحَنَقِ « 2 » . فَلَمّا رَأَيتَ - يا إلهي تَبارَكتَ وتَعالَيتَ - دَغَلَ سَريرَتِهِ ، وقُبحَ مَا انطَوى عَلَيهِ ، أركَستَهُ لِامِّ رَأسِهِ في زُبيَتِهِ « 3 » ، ورَدَدتَهُ في مَهوى حُفرَتِهِ ، فَانقَمَعَ بَعدَ استِطالَتِهِ ذَليلًا في رِبَقِ « 4 » حِبالَتِهِ الَّتي كانَ يُقَدِّرُ أن يَراني فيها ، وقَد كادَ أن يَحُلَّ بي - لَولا رَحمَتُكَ - ما حَلَّ بِساحَتِهِ . وكَم مِن حاسِدٍ قَد شَرِقَ بي بِغُصَّتِهِ ، وشَجِيَ مِنّي بِغَيظِهِ ، وسَلَقَني بِحَدِّ لِسانِهِ ، ووَحَرَني « 5 » بِقَرفِ عُيوبِهِ ، وجَعَلَ عِرضي غَرَضاً لِمَراميهِ ، وقَلَّدَني خِلالًا لَم تَزَل فيهِ ، ووَحَرَني بِكَيدِهِ ، وقَصَدَني بِمَكيدَتِهِ ، فَنادَيتُكَ يا إلهي مُستَغيثاً بِكَ ، واثِقاً بِسُرعَةِ إجابَتِكَ ، عالِماً أنّهُ لا يُضطَهَدُ مَن أوى إلى ظِلِّ كَنَفِكَ ، ولا يَفزَعُ مَن لَجَأَ إلى مَعقِلِ انتِصارِكَ ، فَحَصَّنتَني مِن بَأسِهِ بِقُدرَتِكَ . وكَم مِن سَحائِبِ مَكروهٍ جَلَّيتَها عَنّي ، وسَحائِبِ نِعَمٍ أمطَرتَها عَلَيَّ ، وجَداوِلِ رَحمَةٍ نَشَرتَها ، وعافِيَةٍ ألبَستَها ، وأَعيُنِ أحداثٍ طَمَستَها ، وغَواشي كُرُباتٍ كَشَفتَها . وكَم مِن ظَنٍّ حَسَنٍ حَقَّقتَ ، وعَدَمٍ جَبَرتَ ، وصَرعَةٍ أنعَشتَ ، ومَسكَنَةٍ حَوَّلتَ ، كُلُّ

--> ( 1 ) . عَضَّ على شَواهُ : أي على أطراف اليدين ( مجمع البحرين : ج 2 ص 922 « شوى » ) . ( 2 ) . الحَنَق : شدّة الاغتياظ ( لسان العرب : ج 10 ص 69 « حنف » ) . ( 3 ) . الزبيَةُ : الحُفرَةُ ( النهاية : ج 2 ص 295 « زبا » ) . ( 4 ) . الرِبقُ : في الأصل عروة في حبل تُجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها ( النهاية : ج 2 ص 190 « ربق » ) . ( 5 ) . الوَحرُ : الحِقدُ والغيظ ( مجمع البحرين : ج 3 ص 1915 « وحر » ) .