محمد الريشهري
198
كنز الدعاء
بِسوءِ مَا اكتَسَبتُ ، وهَل يُنجيني مِنكَ اعتِرافي لَكَ بِقَبيحِ مَا ارتَكَبتُ ، أم أوجَبتَ لي في مَقامي هذا سُخطَكَ ، أم لَزِمَني في وَقتِ دُعايَ مَقتُكَ . سُبحانَكَ ، لا أيأَسُ مِنكَ وقَد فَتحتَ لي بابَ التَّوبَةِ إلَيكَ ، بَل أقولُ مَقالَ العَبدِ الذَّليلِ ، الظّالِمِ لِنَفسِهِ المُستَخِفِّ بِحُرمَةِ رَبِّهِ . الَّذي عَظُمَت ذُنوبُهُ فَجَلَّت ، وأَدبَرَت أيّامُهُ فَوَلَّت ، حَتّى إذا رَأى مُدَّةَ العَمَلِ قَدِ انقَضَت ، وغايَةَ العُمُرِ قَدِ انتَهَت ، وأَيقَنَ أنَّهُ لا مَحيصَ لَهُ مِنكَ ، ولا مَهرَبَ لَهُ عَنكَ ، تَلَقّاكَ بِالإِنابَةِ ، وأَخلَصَ لَكَ التَّوبَةَ ، فَقامَ إلَيكَ بِقَلبٍ طاهِرٍ نَقِيٍّ ، ثُمَّ دَعاكَ بِصَوتٍ حائِلٍ خَفِيٍّ . قَدتَطَأطَأَ لَكَ فَانحَنى ، ونَكَّسَ رَأسَهُ فَانثَنى ، قَد أرعَشَت خَشيَتُهُ رِجلَيهِ ، وغَرَّقَت دُموعُهُ خَدَّيهِ . يَدعوكَ بِيا أرحَمَ الرّاحِمينَ ، ويا أرحَمَ مَنِ انتابَهُ المُستَرحِمونَ ، ويا أعطَفَ مَن أطافَ بِهِ المُستَغفِرونَ ، ويا مَن عَفوُهُ أكثَرُ مِن نَقِمَتِهِ ، ويا مَن رِضاهُ أوفَرُ مِن سَخَطِهِ ، ويا مَن تَحَمَّدَ إلى خَلقِهِ بِحُسنِ التَّجاوُزِ ، ويا مَن عَوَّدَ عِبادَهُ قَبولَ الإِنابَةِ ، ويا مَنِ استَصلَحَ فاسِدَهُم بِالتَّوبَةِ ، ويا مَن رَضِيَ مِن فِعلِهِم بِاليَسيرِ ، ويا مَن كافى قَليلَهُم بِالكَثيرِ ، ويا مَن ضَمِنَ لَهُم إجابَةَ الدُّعاءِ ، ويا مَن وَعَدَهُم عَلى نَفسِهِ بِتَفَضُّلِهِ حُسنَ الجَزاءِ . ما أنَا بِأَعصى مَن عَصاكَ فَغَفَرتَ لَهُ ، وما أنَا بِأَلوَمِ مَنِ اعتَذَرَ إلَيكَ فَقَبِلتَ مِنهُ ، وما أنَا بِأَظلَمِ مَن تابَ إلَيكَ فَعُدتَ عَلَيهِ . أتوبُ إلَيكَ في مَقامي هذا تَوبَةَ نادِمٍ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ ، مُشفِقٍ مِمَّا اجتَمَعَ عَلَيهِ ، خالِصِ الحَياءِ مِمّا وَقَعَ فيهِ ، عالِمٍ بِأَنَّ العَفوَ عَنِ الذَّنبِ العَظيمِ لا يَتَعاظَمُكَ ، وأَنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الإِثمِ الجَليلِ لا يَستَصعِبُكَ ، وأَنَّ احتِمالَ الجِناياتِ الفاحِشَةِ لا يَتَكَأَّدُكَ « 1 » ، وأَنَّ أحَبَّ عِبادِكَ إلَيكَ مَن تَرَكَ الاستِكبارَ عَلَيكَ ، وجانَبَ الإِصرارَ ، ولَزِمَ الاستِغفارَ ، وأَ نَا أبرَأُ إلَيكَ مِن
--> ( 1 ) . يَتَكَأَّدُكَ : أي يَصْعُبُ عليك ويَشُقُّ ( النهاية : ج 4 ص 137 « كأد » ) .