علي الأحمدي الميانجي
85
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
تَستُرُ الذَّنبَ بِكَرَمِكَ وتُؤَخِّرُ العُقوبَةَ بِحِلمِكَ « 89 » فَلَكَ الحَمدُ عَلى حِلمِكَ بَعدَ عِلمِكَ وعَلى عَفوِكَ بَعدَ قُدرَتِكَ « 90 » ويَحمِلُني ويُجَرِّئُني عَلى مَعصِيَتِكَ حِلمُكَ عَنّي « 91 » ويَدعوني إلى قِلَّةِ الحَياءِ سَترُكَ عَلَيَّ « 92 » ويُسرِعُني إلَى التَّوَثُّبِ عَلى مَحارِمِكَ مَعرِفَتي بِسَعَةِ رَحمَتِكَ وعَظيمِ عَفوِكَ « 93 » إنّ اللَّه سبحانه يستر عيوب عباده ، ومن أسمائه الحسنى « ستّار العيوب » ، ولا يفضحهم بالمبادرة ولا يعجل في مؤاخذتهم بالخطيئة ؛ لأنّه كريم ، والكريم هو السخي المعطاء ، وقيل : هو من يوصل النفع بلا عوض ، فالكرم هو إفادة ما ينبغي لا بعوض . « وتؤخّر العقوبة بحلمك » ، والحلم - بالكسر - : الأناة ، وضدّ الطيش ، والعقل ، والحليم من له الأناة يتحمّل ويصبر ، قال تعالى : « وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ » « 1 » و « لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ » ، « 2 » أمر اللَّه سبحانه بالحلم والعفو بعد المقدرة ، ولهما أثر خاصّ في هداية الإنسان وتربيته وسوقه إلى الكمال ، وإن كان قد يتجرّأ الإنسان على حليمٍ لحلمه أو على الكريم لكرمه . وهذان الوصفان من الصفات العالية الكاملة ، ومن أسماء اللَّه تعالى الكريم الحليم ، وإن كانا سبباً لتجرّي العباد وارتكابهم ما لا يرضى ، إلّاأنّ لهما أثراً حسناً في تربية العباد وتحلّيهم بالمكارم وتأدّبهم من أحسن طريق ، فلا يؤاخذهم إلّابعد الأناة وإتمام الحجّة ، ولذلك ورد في الحديث في وصف العلم : « علم معه حلم » ، « 3 » ثمّ حمد تعالى على حلمه بعد علمه ، وأثنى عليه سبحانه بأن حلم عنه وتأنّى ولم يعاجله بالعقوبة ، وعلى عفوه بعد قدرته بقبول التوبة . نعم ، قد يكون التأخير إملاءً واستدراجاً ، قال سبحانه : « إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ » « 4 » وقال تعالى : « وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » ، « 5 » وقال تعالى : « فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا
--> ( 1 ) . يونس : 11 . ( 2 ) . الكهف : 58 . ( 3 ) . انظر : بحار الأنوار : ج 44 ص 196 . ( 4 ) . إبراهيم : 41 . ( 5 ) . الأعراف : 182 .