محمد الريشهري
28
جواهر الحكمة للإمام أبي عبد الله الحسين ( ع )
جَميعِها بِالتَّفصيلِ ، لِأَنَّها أكثَرُ مِن أن تُحصى أو تُعرَفَ ، فَقالَ لَهُم : قولوا : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » عَلى ما أنعَمَ بِهِ عَلَينا « رَبِّ الْعالَمِينَ » ، وهُمُ الجَماعاتُ مِن كُلِّ مَخلوقٍ ؛ مِنَ الجَماداتِ وَالحَيَواناتِ . فَأَمَّا الحَيَواناتُ فَهُوَ يُقَلِّبُها في قُدرَتِهِ ، ويَغذوها مِن رِزقِهِ ، ويَحوطُها بِكَنَفِهِ ، ويُدَبِّرُ كُلًاّ مِنها بِمَصلَحَتِهِ . وأمَّا الجَماداتُ فَهُوَ يُمسِكُها بِقُدرَتِهِ ، ويُمسِكُ المُتَّصِلَ مِنها أن يَتَهافَتَ « 1 » ، ويُمسِكُ المُتَهافِتَ مِنها أن يَتَلاصَقَ ، ويُمسِكُ السَّماءَ أن تَقَعَ عَلَى الأَرضِ إلّابِإِذنِهِ ، ويُمسِكُ الأَرضَ أن تَنخَسِفَ إلّابِأَمرِهِ ، إنَّهُ بِعِبادِهِ لَرَؤوفٌ رَحيمٌ . وقالَ عليه السلام : « رَبِّ الْعالَمِينَ » مالِكُهُم وخالِقُهُم وسائِقُ أرزاقِهِم إلَيهِم ، مِن حَيثُ يَعلَمونَ ومِن حَيثُ لا يَعلَمونَ ، وَالرِّزقُ مَقسومٌ ، وهُوَ يَأتِي ابنَ آدَمَ عَلى أيِّ سيرَةٍ سارَها مِنَ الدُّنيا ، لَيسَ تَقوى مُتَّقٍ بِزائِدِهِ ، ولا فُجورُ فاجِرٍ بِناقِصِهِ ، وبَينَهُ وبَينَهُ سِترٌ وهُوَ طالِبُهُ ، فَلَو أنَّ أحَدَكُم يَفِرُّ مِن رِزقِهِ لَطَلَبَهُ رِزقُهُ كَما يَطلُبُهُ المَوتُ . فَقالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ : قولوا : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » عَلى ما أنعَمَ بِهِ عَلَينا وذَكَرَنا بِهِ مِن خَيرٍ في كُتُبِ الأَوَّلينَ قَبلَ أن نَكونَ ، فَفي هذا إيجابٌ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وعَلى شيعَتِهِم أن يَشكُروهُ بِما فَضَّلَهُم ، وذلِكَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله قالَ : لَمّا بَعَثَ اللَّهُ عز وجل موسَى بنَ عِمرانَ عليه السلام وَاصطَفاهُ نَجِيّاً ، وفَلَقَ لَهُ البَحرَ ونَجّى بَني إسرائيلَ ، وأعطاهُ التَّوراةَ وَالأَلواحَ ، رَأى مَكانَهُ مِن رَبِّهِ عز وجل فَقالَ : يا رَبِّ لَقَد أكرَمتَني بِكَرامَةٍ لَم تُكرِم بِها أحَداً قَبلي ! فَقالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ : يا موسى ، أما عَلِمتَ أنَّ مُحَمَّداً عِندي أفضَلُ مِن جَميعِ مَلائِكَتي وجَميعِ خَلقي ؟ قالَ موسى عليه السلام : يا رَبِّ ، فَإِن كانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله أكرَمَ عِندَكَ مِن جَميعِ خَلقِكَ ، فَهَل في
--> ( 1 ) . التَّهافُت : التساقُط قطعةً قطعة ( الصحاح : ج 1 ص 271 « هفت » ) .