الشيخ فاضل اللنكراني
92
مدخل التفسير
قدرا ، ولا رتّبوا عليه فضيلة واجرا ، ولعلّ السرّ في ذلك واقعا هو أنه عند نزول القرآن لا يكاد يبقى مجال للارتياب في تفوّقه ، واتصافه بأنّه السّلطان والحاكم في الدولة الادبيّة ، والحكومة العلميّة ، وبعد ملاحظة أن القرآن تحدّاهم إلى الاتيان بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة مثله ، ولم يقع في جواب ذلك النداء الّا اظهار العجز ، والاعتراف بالقصور ، ولذا اختاروا المبارزة بالسنان على المعارضة بالبيان ، ورجّحوا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف ، وآثروا بذل الأبدان على القلم واللّسان ، مع أنّه كان من الجدير للعرب إذا كان ذلك في مقدرتهم أن يجيبوه ، ويقطعوا حجّته ، ويأتوا ولو بسورة واحدة مثل القرآن في البلاغة ، فيستريحوا بذلك عن تحمل مشاق كثيرة ، وإقامة حروب مهلكة ، وبذل أموال خطيرة ، وتفدية نفوس محرمة ، ولكنّهم - مع أنه كان فيهم الفصحاء النابغون والبلغاء المتبحرون - خضعوا عند بلاغة القرآن ، وإذ عنوا بقصورهم ، بل قصور من لم يكن له ارتباط إلى مبدأ الوحي ، ومنبع الكمال من جميع أفراد البشر ، فعند ملاحظتنا ذلك تتم الحجة علينا عقلا ، وإن لم نكن من تلك الطبقة النابغة في الفصاحة ، والجماعة الممتازة في الفصاحة بل وان لم نكن عارفين باللغة العربية أصلا ، كما هو واضح من أن يخفى . 2 - منها : ان القرآن مع أنه قد وصف نفسه بعدم وجود الاختلاف فيه ، وعدم اشتماله على المناقضة بوجه - ولا بد من أن يكون كذلك - فإنّ الاختلاف لا يناسب مع كونه من عند اللّه ، الّذي لا يغيب عنه شيء ، والمناقضة لا تلائم مع كونه من عند من هو عالم بكل شيء - قد وقعت فيه المناقضة في موردين : أحدهما : قوله تعالى في سورة آل عمران 41 : « قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً » . فإنه يتناقض مع قوله تعالى في سورة مريم 10 : « قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا » .