الشيخ فاضل اللنكراني
67
مدخل التفسير
الطب ، ومعالجة المرضى ، وتوجّه الناس إلى هذا العلم توجّها كاملا وصار هذا ملاكا للقدر والفضيلة ، ومناطا للكمال والمزيّة بعث اللّه نبيّه بمعجزة مشابهة فائقة ، وهو ابراء الأكمه والأبرص ، واحياء الموتى . وحيث كان الرائج في محيط الدعوة الاسلامية علم البلاغة - على ما عرفت - في الامر الاوّل ، بعث اللّه نبيّه الخاتم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكتاب جامع كامل ، مسانخ للعلم الرائج ، فائق على جميع المراتب التي في امكانهم ، وتمام المدارج المقدورة لهم ، ليخضعوا دونه بعد ملاحظة تفوقه عن المستوى المقدور ، وخروجه عن دائرة الإحاطة البشريّة والعلم الانساني . فانقدح من جميع ذلك : ان العناية بخصوص البلاغة لا تحتاج في الاستدلال عليها إلى وقوع التحدي بها في نفس الكتاب العزيز ، كسائر المزايا التي وقع التحدّى بها فيه ، بل تظهر بالتأمل في تخصيص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بهذه المعجزة ، مع ملاحظة معجزات سائر الأنبياء المتقدمين . نعم : لا ينحصر وجه التخصيص فيما ذكر ، لان له وجها آخر يعرف ممّا تقدم ، وهو ان معجزة الخاتم لا بد وأن تكون باقية إلى يوم القيامة ، لانّه كما أن الحدوث يحتاج إلى الاثبات من طريق الاعجاز كذلك البقاء يفتقر اليه أيضا ، لا بمعنى ان الحدوث والبقاء أمران يحتاجان إلى المعجزة ، ولا بدّ من الاتيان بها لكل منهما ، بل بمعنى ان النبوة الباقية لا بد وان يكون في بقائها ، غير خال عن الاعجاز ليصدقها من لم يدرك النبىّ ، ولم يشاهده . ومن الواضح : ان ما يمكن ان يكون باقيا انّما هو من سنخ الكتاب ، ضرورة ان مثل انشقاق القمر ، وتسبيح الحصى ، وما يشابههما من المعجزات - مما لا يتصف بالبقاء بل يوجد وينعدم - لا يمكن ان يكون معجزة بالإضافة إلى البقاء ، الّا إذا بلغ إلى حدّ التواتر القطعي بالنسبة إلى كل طبقة ، وكل فرد ، ومع ذلك لا يكاد يترتب عليه الغرض المهمّ ، فالكتاب المستظهر بقوله تعالى : في سورة الحجر - 9