الشيخ فاضل اللنكراني
64
مدخل التفسير
التحدي بالبلاغة من جملة ما وقع به التحدّى في الكتاب العزيز : البلاغة ، وهي وان لم يصرّح بها فيه ، إلّا أنه يمكن استفادة التحدّى بها من بعض الآيات ، مثل قوله تعالى في سورة يونس 38 : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » وقوله في سورة هود 13 - 14 : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ » ودلالتهما على التحدّى بالبلاغة إنّما تظهر بعد ملاحظة أمرين : الاوّل : أن العرب في ذلك العصر - أيّ عصر طلوع القرآن - وبدء الدعوة الاسلاميّة - قد كانت بعيدة عن الفضائل العلميّة بمراحل ، وعن الكمالات العلمية الانسانيّة بفراسخ ، بل - كما يشهد به التاريخ - كانت لهم أعمال وأفعال لا يكاد يصدر من الحيوانات ، فضلا عن المرتبة الدّنيا في نوع الانسان ، والطبقة البعيدة عن التمدن من هذا النوع ، نعم قد انحصرت فضيلتهم في البلاغة ، وامتازوا بالفصاحة ، بحيث لم يروا لغيرها قدرا ولا رتّبوا عليه أجرا ، وبلغ تقديرهم للشعر إلى أن عمدوا السبع قصائد من خيرة الشعر القديم ، وكتبوها بماء الذهب ، وعلّقوها على الكعبة ، واشتهرت بالمعلقات السبعة ، وكان هذا الامر رائجا بينهم ، موردا لاهتمام رجالهم ونسائهم ، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في الشعر ، يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبّة ، فتأتيه الشعراء من كلّ ناحية ، وتعرض عليه الاشعار ليحكم فيها ، ويرجح بعضها على بعض . الثاني : ان مثل هذا التعبير ، وهو الاتيان بالمثل في مقام المعارضة ، والاحتجاج إنّما يحسن توجيهه إلى المخاطب ، الّذي كان له نصيب وافر من سنخ مورد الدعوى