الشيخ فاضل اللنكراني

47

مدخل التفسير

لا يرتاب ذو مسكة في اختلاف طبقات الناس ، وتنوع افراد البشر في اجتناء الكمالات العلمية المختلفة ، وحيازة الفنون المتشتتة . والوجه في ذلك - مضافا إلى افتقار تحصيل كل واحدة منها إلى صرف مؤنة الزمان ، وغيره من المقدمات الكثيرة والأسباب المتعددة - اختلافهم بحسب النظر والتفكر وتفاوتهم بلحاظ الذوق والعلاقة فترى بعضهم يشترى بعمره الطويل الوصول إلى العلوم الصّناعية وبعضا آخر يتحمّل مشقات فوق الطاقة العاديّة لتحصيل علم الفلسفة مثلا ، وهكذا سائر العلوم والمعارف الماديّة والمعنويّة ، بل اتّساع دائرة جميع العلوم اقتضى انقسام كل واحدة منها إلى شعب واقسام ، بحيث لا يكاد يوجد من حازه بجميع شعبه وناله بتمام اقسامه ، وهذا كما في علم الطّب في هذه الأزمنة والعصور المتأخرة ، فإنه لا يوجد واحد مطلع على جميع شؤونه المتكثرة ، وشعبه المتعدّة ، بل بعد صرف زمان طويل وتهيئة مقدمات كثيرة قد يقدر على الوصول إلى بعض شعبه ، وحصول المهارة الكاملة في خصوص تلك الشعبة ، كما نراه بالوجدان . وبالجملة : ما ذكرناه في اختلاف طبقات البشر ، واتساع دائرة كل واحد من العلوم ، بحيث لا يكاد يمكن الوصول إلى واحد بتمام شؤونه فكيف الجميع ، مما لا حاجة في اثباته إلى بينة وبرهان ، بل يكفى في تصديقه مجرد ملاحظة الوجدان . وحينئذ نقول : ان الكتاب العزيز ، والقرآن المجيد حيث يكون الغرض من انزاله ، والغاية من ارساله ، اهتداء عموم النّاس ، وخروجهم من الظلمات إلى النّور ، كما صرّح هو بذلك في الآية المتقدمة من سورة إبراهيم - آية 1 .