الشيخ فاضل اللنكراني

39

مدخل التفسير

الخاص - في حكمة العناية بالكثرة ، ولعلّها عبارة عن التنبيه على اشتمال الكتاب العزيز على خصوصية مفقودة في غيره ، ولا يكاد يقدر عليها البشر ، وان بلغ ما بلغ ، وهي الاتيان بقصة واحدة بأساليب متعددة وتعبيرات مختلفة متساوية من حيث الوقوع في أعلى مرتبة البلاغة ، وبذلك ترتفع الشبهة التي يمكن ان يخطر بالبال ، بل بعض الناس أوردها على الاعجاز بالبلاغة والأسلوب ، وهي ان الجملة أو السّورة المشتملة على القصّة يمكن التعبير عنها بعبارات مختلفة تؤدّى المعنى ، ولا بد أن تكون عبارة منها ينتهى إليها حسن البيان ، مع السلامة من كل عيب لفظي ، أو معنوي ، فمن سبق إلى هذه العبارة اعجز غيره عن الاتيان بمثلها ، لأنّ تأليف الكلام في اللغة لا يحتمل ذلك ، ولكن القرآن عبّر عن بعض المعاني وبعض القصص بعبارات مختلفة الأسلوب والنظم ، من مختصر ومطول ، والتحدّى في مثله لا يظهر في قصّة مخترعة مفتراة ، بل لا بدّ من التعدد الذي يظهر فيه التعبير عن المعنى الواحد والقصّة الواحدة بأساليب مختلفة وتراكيب متعدّدة . ومن الآيات الدالة على التحدّى قوله تعالى في سورة طور المكية : « أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ 33 ، 34 » . والظاهر : انّها ناظرة إلى التحدّى بمجموع القرآن ، لان المنساق من « الحديث » في مثل هذه الموارد هو الكتاب الكامل الجامع ، ويؤيّده توصيفه بالمثل المضاف إلى القرآن الظاهر في مجموعه . ولو تنزّلنا عن ذلك فثبوت الاطلاق له بحيث يشمل ما دون سورة واحدة ، كجملة ونحوها في غاية الاشكال وان كان مقتضى ما حكيناه عن المفسّر المتقدم ذلك ، الّا انه يبعّده - مضافا إلى بعده في نفسه - فإنّ جملة واحدة من القرآن مشتملة على معنى ومقصود ، كيف يكون البشر عاجزا عن الاتيان بمثلها . وقد عرفت ان بعض المفسرين انكر كون بعض السور كذلك ، وان استظهرنا