الشيخ فاضل اللنكراني
26
مدخل التفسير
لم يأت النبيّ بما هو مطلوبهم ، بل اظهر العجز بلسان كونه بشرا رسولا ، فمنها يستفاد عدم لزوم اقتران دعوى النبوة بما هو معجزة . والجواب : امّا اوّلا : فان افتقار النبي في دعوى النبوة وصدقها إلى الاتيان بالمعجز من المسلمات العقلية الّتي لا يشوبها ريب ، ضرورة انه مع عدم الافتقار لا يبقى افتراق بين النبىّ الصادق والنّبى الكاذب ، ولا يكون للأوّل مزية وفضيلة أصلا ، وحينئذ فان فرض دلالة الآية على خلافه ، وانه لا حاجة إلى الاعجاز مع فرض صدق المدّعى ، فاللازم تأويلها كما هو الشأن في غيرها من الآيات الظاهرة في خلاف ما هو المسلّم عند العقل ، كقوله تعالى : في سورة الفجر : « وَجاءَ رَبُّكَ » . وامّا ثانيا : فان الاتيان بالمعجز لا معنى لان يكون تابعا لطلب الناس وهوى أنفسهم ، بحيث تكون خصوصياته راجعة إلى تعيين الشاك واختياره ، ضرورة ان المعجزة امر الهى لا يكون للنبي فيه إرادة واختيار ، بل كان بإرادة اللّه تعالى على انّه لا معنى لطلب معجزة مخصوصة بعد الاتيان بما هو معجزة حقيقة ، وظاهر الآيات المذكورة ان طلبهم من النّبى تلك الأمور المذكورة فيها كان بعد الاتيان بالقرآن الذي هو أعظم المعجزات . وسيأتي - ان شاء اللّه تعالى - انّه لا يختص وصف الاعجاز بمجموع القرآن ، بل يكون كل سورة من سوره الطويلة والقصيرة واجدة لهذا الوصف ، وحينئذ فالطلب منهم دليل على عدم كونهم بصدد الاهتداء ، بل على لجاجهم وعنادهم ، وتعصبهم القبيح ، فإنه لا وجه بعد الاتيان بالمعجزة لطلب معجزة أخرى ، مع فرض كون الشخص بصدد الاهتداء وتبعيّة النبي الصادق . وامّا ثالثا : فغير خفيّ على الناظر في الآيات ان ما كانوا يطلبونه لم يكن معجزة بوجه ، إمّا لكونه من الأمور الموافقة للعادة الطّبيعية ، كفجر الينبوع من الأرض ، وثبوت بيت من الزخرف له ومثلهما ، وإمّا لكونه منافيا لغرض الاعجاز كسقوط السماء الموجب لهلاك طالب المعجزة ، وإمّا لكونه مستحيلا عقلا ، كالاتيان