الشيخ فاضل اللنكراني

24

مدخل التفسير

به المدّعى للنّبوة والسّفارة كان وقوعه بيده بمقتضى ارادته وغرضه ، بمعنى تطابق قوله وعمله ، فإذا تخالف لا يتحقق الاعجاز بحسب الاصطلاح ، كما حكي ان مسيلمة الكذاب تفل في بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء ، وانّه أمّر يده على رؤوس صبيان بنى حنيفة وحنكهم فأصاب القرع كل صبىّ مسح رأسه ، ولثغ كلّ صبّي مسح حنكه ، وان شئت فسمّ هذه : المعجزة الدالة على الكذب ، لأنه اجرى اللّه تعالى هذا الامر بيده لابطال دعواه ، واثبات كذبه ، وهداية النّاس إلى ذلك . بقي الكلام : في حقيقة المعجزة في امر ، وهو انّ الاعجاز هل هو تصرّف في قانون الأسباب والمسببات العاديّة ، وراجع إلى تخصيص مثل : « أبى اللّه ان يجرى الأمور الّا بأسبابها » أو انه لا يرجع إلى التصرف في ذلك القانون ، ولا يستلزم التخصيص في مثل تلك العبارة الآبية بظاهرها عن التخصيص ، بل التصرف انّما هو من جهة الزمان ، والغاء التدريج والتدرج بحسبه ، فمرجع الاعجاز في مثل جعل الشجر اليابس خضرا - في الفصل الذي لا يقع فيه هذا التبدل والتغير عادة من الفصول الأربعة السنوية - إلى تحصيل ما يحتاج اليه الشجر في الاخضرار من حرارة الشمس والهواء والماء ، وما يستفيده من الأرض في آن واحد ، لا إلى استغنائه عن ذلك رأسا ؟ الظاهر هو الوجه الثاني وان كان لا يترتب على هذا البحث ثمرة كثيرة مهمة . نعم : يظهر مما استظهرناه الجواب عمّا استند اليه الماديّون في دعواهم انكار المعجزة ، من أن المعجزة الراجعة إلى الاتيان بما يخرق العادة يوجب انحزام أصل « العليّة والمعلوليّة » والخدشة في هذه القاعدة المسلمة في العلوم الطبيعية ، وفي العلم الأعلى والفلسفة ، فان ابتنائهما على قانون العليّة مما لا يكاد يخفى ، ولا يمكن للعقل أيضا انكاره فان افتقار الممكن - في مقابل الواجب والممتنع - إلى العلّة بديهي لأنه حيث لا يكون في ذاته اقتضاء الوجود والعدم ، بل يكون متساوي النسبة اليهما ،