الشيخ فاضل اللنكراني

21

مدخل التفسير

- مثلا - من القياس المركّب من : « العالم متغير وكل متغير حادث » إنّما يتوقف على استحالة اتصاف العالم بوجود الحدوث وعدمه معا ، ضرورة أنه بدونها لا يحصل القطع بالحدوث في مقابل العدم ، كما هو غير خفى . وكذلك العلم بوجود الباري - جلّت عظمته - من طريق البراهين الساطعة القاطعة ، الدالة على وجوده انّما يتوقف على استحالة كون شيء متصفا بالوجود والعدم معا في أن واحد ، وامتناع عروض كلا الامرين في زمان فارد ، بداهة أنه بدونها لا مجال لحصول القطع بالوجود في مقابل العدم ، كما هو ظاهر . فالقواعد العقليّة خصوصا قاعدة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، الّتي إليها ترجع سائر القواعد ، وعليها يبتني جميع العلوم والمعارف ، بعيدة عن عالم الانخراق والانخرام بمراحل لا يمكن طيّها أصلا . ويدلّ على ما ذكرنا من استحالة كون المعجزة خارقة للقواعد العقليّة في خصوص المقام : أن الغرض من الاتيان بالمعجزة اثبات دعوى المدّعى واستكشاف صدقه في ثبوت المنصب الإلهي ، فإذا فرضنا امكان تصرّف المعجزة في القواعد العقليّة وانخرامها بها ، لا يحصل الغرض المقصود منها ، فان دلالتها على صدق مدّعى النبوّة - مثلا - انّما تتمّ على تقدير استحالة اتّصاف شخص واحد في زمان واحد بالنبوّة وجودا وعدما ، والّا فلا مانع من ثبوت هذا الاتصاف ، وتحقق كلا الامرين ، فلا يترتب عليها الغاية من الاتيان بها ، والغرض المقصود في البين ، كما لا يخفى . وعلى ما ذكرنا فالمعجزة ما يكوى خارقا للعادة الطبيعيّة ، الّتي يكون البشر عاجزا عن التخلف عنها ، الّا أن يكون مرتبطا بمنع القدرة المطلقة المتعلقة بكل شيء ، ومنه يظهر الفرق بين السحر وبين المعجزة ، وكذا بينها وبين ما يتحقق من المرتاضين ، الذين حصلت لهم القدرة لأجل الرياضة - على اختلاف أنواعها وتشعّب صورها - على الاتيان بما يعجز عنه من لم تحصل له هذه المقدمات ، فان ابتناء مثل ذلك على قواعد علميّة ، أو أعمال رياضية توجب خروجه عن دائرة المعجزة ، الّتي ليس لها