التفتازاني
109
كتاب المطول
عند قصد هذا المعنى ان يؤخر المسند اليه ويقال ما قلته انا ولا أحد غيرى اللهم الا إذا قامت قرينة على أن التقديم لغرض آخر غير التخصيص كما إذا ظن المخاطب بك ظنين فاسدين أحدهما انك قلت هذا القول والثاني انك تعتقد ان قائله غيرك فيقول لك أنت قلت لا غيرك فتقول له ما انا قلته ولا أحد غيرى قصدا إلى انكار نفس الفعل فتقدم المسند اليه ليطابق كلامه وهذا انما يكون فيما يمكن انكاره كما في هذا المثال بخلاف قولك ما انا بنيت هذه الدار ولا غيرى فإنه لا يصح ( ولا ما انا رأيت أحدا ) لأنه يقتضى ان يكون انسان غير المتكلم قد رأى كل أحد لأنه قد نفى عن المتكلم الرؤية على وجه العموم في المفعول فيجب ان يثبت لغيره أيضا على وجه العموم لما تقدم * قال المصنف لان المنفى هو الرؤية الواقعة على كل أحد من الناس وقد تقدم ان الفعل الذي يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور هو بعينه الفعل الذي نفى عن المذكور * وفيه نظر لأنا لا نسلم ان المنفى هو الرؤية الواقعة على كل أحد من الناس بل الرؤية الواقعة على فرد من افراد الناس والفرق بينهما واضح فان الأول يفيد السلب الجزئي لان نفى الرؤية الواقعة على كل أحد لا ينافي اثبات الرؤية الواقعة على البعض والثاني يفيد السلب الكلى لوقوع النكرة في سياق النفي ولهذا حمله كثير من الناس على أنه سهو من الكاتب والصواب ما انا رأيت كل أحد واعتذر عنه بعضهم بوجهين . أحدهما انه مبنى على ما ذكره أئمة اللغة من أن أحدا إذا لم يكن همزته بدلا عن الواو لا يستعمل في الايجاب الا مع كل فيلزم ان يكون ما انا رأيت أحدا ردا على من زعم انك رأيت كل أحد لأنه ايجاب فلا يستعمل بدون كل . والثاني ان أحدا يستعمل بمعنى الجمع ولهذا صح دخول بين عليه وعود ضمير الجمع اليه في قوله تعالى ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) و ( فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ) وفسروه في قوله تعالى ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ ) بمعنى جماعة من جماعات النساء وعدم جريان هذه الأحكام في كل نكرة منفية يدل على أن هذا ليس مبنيا على أنه نكرة وقعت في سياق النفي كما توهمه البعض وظاهر كلام الصحاح انه بحسب وضع اللغة لأنه قال هو اسم لمن يصلح ان يخاطب يستوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث وقيل هو مبنى على أن أحدا اسم في معنى الواحد لا يتغير بتغير الموصوف فيجوز ان يعتبر موصوفه مفردا أو مثنى أو مجموعا مذكرا أو مؤنثا اى أحد من الافراد أو المثنيات أو الجماعات وإذا كان أحد هنا في معنى الجمع يكون المعنى ما انا رأيت جميع الناس ويلزم المحال المذكور وكلاهما فاسدان لان هذا الامتناع جار