الشيخ الأنصاري

406

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

والإذن في ارتكاب المشتبهين ليس كذلك إذا كان على التدريج بل هو أذن في المخالفة مع عدم علم المكلف بها إلا بعدها وليس في العقل ما يقبح ذلك وإلا لقبح الإذن في ارتكاب جميع المشتبهات بالشبهة الغير المحصورة أو في ارتكاب مقدار يعلم عادة بكون الحرام فيها وفي ارتكاب الشبهة المجردة التي يعلم المولى اطلاع العبد بعد الفعل على كونه معصية وفي الحكم بالتخيير الاستمراري بين الخبرين أو فتوى المجتهدين . قلت إذن الشارع في أحد المشتبهين ينافي أيضا حكم العقل بوجوب امتثال التكليف المعلوم المتعلق بالمصداق المشتبه لإيجاب العقل حينئذ الاجتناب عن كلا المشتبهين نعم لو أذن الشارع في ارتكاب أحدهما مع جعل الآخر بدلا عن الواقع في الاجتزاء بالاجتناب عنه جاز فإذن الشارع في أحدهما لا يحسن إلا بعد الأمر بالاجتناب عن الآخر بدلا ظاهريا عن الحرام الواقعي فيكون المحرم الظاهري هو أحدهما على التخيير وكذا المحلل الظاهري ويثبت المطلوب وهو حرمة المخالفة القطعية بفعل المشتبهين وحاصل معنى تلك الصحيحة أن كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف أن في ارتكابه فقط أو في ارتكابه المقرون مع ارتكاب غيره ارتكابا للحرام والأول في العلم التفصيلي والثاني في العلم الإجمالي فإن قلت إذا فرضنا المشتبهين مما لا يمكن ارتكابهما إلا تدريجا ففي زمان ارتكاب أحدهما يتحقق الاجتناب عن الآخر قهرا فالمقصود من التخيير وهو ترك أحدهما حاصل مع الإذن في ارتكاب كليهما إذ لا يعتبر في ترك الحرام القصد فضلا عن قصد الامتثال . قلت الإذن في فعلهما في هذه الصورة أيضا ينافي الأمر بالاجتناب عن العنوان الواقعي المحرم لما تقدم من أنه مع وجود دليل حرمة ذلك العنوان المعلوم وجوده في المشتبهين لا يصح الإذن في أحدهما إلا بعد المنع عن الآخر بدلا عن المحرم الواقعي ومعناه المنع عن فعله بعده لأن هذا هو الذي يمكن أن يجعله بدلا عن الحرام الواقعي حتى لا ينافي أمره بالاجتناب عنه إذ تركه في زمان فعل الآخر لا يصلح أن يكون بدلا عن حرمته وحينئذ فإن منع في هذه الصورة عن واحد من الأمرين المتدرجين في الوجود لم يجز ارتكاب الثاني بعد ارتكاب الأول وإلا لغا المنع المذكور فإن قلت الإذن في أحدهما يتوقف على المنع عن الآخر في نفس تلك الواقعة بأن يرتكبهما دفعة والمفروض امتناع ذلك في ما نحن فيه من غير حاجة إلى المنع ولا يتوقف على المنع عن الآخر بعد ارتكاب الأول كما في التخيير الظاهري الاستمراري .