الشيخ الأنصاري
449
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
نعم هذا الإيراد متوجه على ظاهر من اعتبر في كل من المحتملين قصد التقرب والتعبد به بالخصوص لكنه مبني أيضا على لزوم ذلك من الأمر الظاهري بإتيان كل منهما عبادة فيكون كل منهما واجبة في مرحلة الظاهر كما إذا شك في الوقت أنه صلى الظهر أم لا فإنه يجب عليه فعلها فينوي الوجوب والقربة وإن احتمل كونها في الواقع لغوا غير مشروع فلا يرد عليه إيراد التشريع إذ التشريع إنما يلزم لو قصد بكل منهما أنه الواجب واقعا المتعبد به في نفس الأمر . ولكنك عرفت أن مقتضى النظر الدقيق خلاف هذا البناء وأن الأمر المقدمي خصوصا الموجود في المقدمة العلمية التي لا يكون الأمر بها إلا إرشاديا لا يوجب موافقة التقرب ولا يصير منشأ لصيرورة الشيء من العبادات إذا لم يكن في نفسه منها وقد تقدم في مسألة التسامح في أدلة السنن ما يوضح حال الأمر بالاحتياط كما أنه قد استوفينا في بحث مقدمة الواجب حال الأمر المقدمي وعدم صيرورة المقدمة بسببه عبادة وذكرنا ورود الإشكال من هذه الجهة على كون التيمم من العبادات على تقدير عدم القول برجحانه في نفسه كالوضوء فإنه لا منشأ حينئذ لكونه منها إلا الأمر المقدمي به من الشارع . فإن قلت يمكن إثبات الوجوب الشرعي المصحح لنية الوجه والقربة في المحتملين لأن الأول منهما واجب بالإجماع ولو فرارا عن المخالفة القطعية والثاني واجب بحكم الاستصحاب المثبت للوجوب الشرعي الظاهري فإن مقتضى الاستصحاب بقاء الاشتغال وعدم الإتيان بالواجب الواقعي وبقاء وجوبه . قلت أما المحتمل المأتي به أولا فليس واجبا في الشرع لخصوص كونه ظهرا أو جمعة وإنما وجب لاحتمال تحقق الواجب به الموجب للفرار عن المخالفة أو للقطع بالموافقة إذا أتى معه بالمحتمل الآخر وعلى أي تقدير فمرجعه إلى الأمر بإحراز الواقع ولو احتمالا . وأما المحتمل الثاني فهو أيضا ليس إلا بحكم من باب المقدمة . وما ذكر من الاستصحاب فيه بعد منع جريان الاستصحاب في هذا المقام من جهة حكم العقل من أول الأمر بوجوب الجميع إذ بعد الإتيان بأحدهما يكون حكم العقل باقيا قطعا وإلا لم يكن حاكما بوجوب الجميع وهو خلاف الفرض أن مقتضى الاستصحاب وجوب البناء على بقاء الاشتغال حتى يحصل اليقين بارتفاعه أما وجوب تحصيل اليقين بارتفاعه فلا يدل عليه الاستصحاب وإنما يدل عليه العقل المستقل بوجوب القطع بتفريغ الذمة عند اشتغالها وهذا معنى الاحتياط فمرجع الأمر إليه .