الشيخ الأنصاري
759
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
نعم قد يتصور التبعيض في ترتيب الآثار على تصديق العادل إذا كان كل من الدليلين عاما ذا أفراد فيؤخذ بقوله في بعضها وبقول الآخر في بعضها فيكرم بعض العلماء ويهين بعضهم فيما إذا ورد أكرم العلماء وورد أيضا أهن العلماء سواء كانا نصين بحيث لا يمكن التجوز في أحدهما أو ظاهرين فيمكن الجمع بينهما على وجه التجوز وعلى طريق التبعيض . إلا أن المخالفة القطعية في الأحكام الشرعية لا ترتكب في واقعة واحدة لأن الحق فيها للشارع ولا يرضى بالمعصية القطعية مقدمة للعلم بالإطاعة فيجب اختيار أحدهما وطرح الآخر بخلاف حقوق الناس فإن الحق فيها لمتعدد فالعمل بالبعض في كل منهما جمع بين الحقين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر بالدواعي النفسانية فهو أولى من الإهمال الكلي لأحدهما وتفويض تعيين ذلك إلى اختيار الحاكم ودواعيه النفسانية الغير المنضبطة في الموارد ولأجل هذا يعد الجمع بهذا النحو مصالحة بين الخصمين عند العرف وقد وقع التعبد به في بعض النصوص أيضا . فظهر مما ذكرنا أن الجمع في أدلة الأحكام بالنحو المتقدم من تأويل كليهما لا أولوية له أصلا على طرح أحدهما والأخذ بالآخر بل الأمر بالعكس . وأما الجمع بين البينات في حقوق الناس فهو وإن كان لا أولية فيه على طرح أحدهما بحسب أدلة حجية البينة لأنها تدل على وجوب الأخذ بكل منهما في تمام مضمونه فلا فرق في مخالفتهما بين الأخذ لا بكل منهما بل بأحدهما أو بكل منهما لا في تمام مضمونه بل في بعضه . إلا أن ما ذكره من الاعتبار لعله يكون مرجحا للثاني على الأول . ويؤيده ورود الأمر بالجمع بين الحقين بهذا النحو في رواية السكوني المعمول بها فيمن أودعه رجل درهمين وآخر درهما فامتزجا بغير تفريط وتلف أحدهما هذا . ولكن الإنصاف أن الأصل في موارد تعارض البينات وشبهها هي القرعة . نعم يبقى الكلام في كون القرعة مرجحة للبينة المطابقة لها أو مرجعا بعد تساقط البينتين وكذا الكلام في عموم موارد القرعة أو اختصاصها بما لا يكون هناك أصل عملي كأصالة الطهارة مع إحدى البينتين وللكلام مورد آخر . فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول حيث تبين عدم تقدم الجمع على الترجيح ولا على التخيير فلا بد من الكلام في المقامين اللذين ذكرنا أن الكلام في أحكام التعارض يقع فيهما فنقول إن المتعارضين إما أن لا يكون مع أحدهما مرجح فيكونان متكافئين متعادلين وإما أن يكون مع أحدهما مرجح .