الشيخ الأنصاري
396
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
هذا كله مضافا إلى حكم العقل بقبح المؤاخذة على كل من الفعل والترك فإن الجهل بأصل الوجوب علة تامة عقلا بقبح العقاب على الترك من غير مدخلية لانتفاء احتمال الحرمة فيه وكذا الجهل بأصل الحرمة وليس العلم بجنس التكليف المردد بين نوعي الوجوب والحرمة كالعلم بنوع التكليف المتعلق بأمر مردد حتى يقال إن التكليف في المقام معلوم إجمالا . وأما دعوى وجوب الالتزام بحكم الله تعالى لعموم دليل وجوب الانقياد للشرع ففيها أن المراد بوجوب الالتزام إن أريد وجوب موافقة حكم الله فهو حاصل فيما نحن فيه فإن في الفعل موافقة للوجوب وفي الترك موافقة للحرمة إذ المفروض عدم توقف الموافقة على قصد الامتثال وإن أريد وجوب الانقياد والتدين بحكم الله فهو تابع للعلم بالحكم فإن علم تفصيلا وجب التدين به كذلك وإن علم إجمالا وجب التدين بثبوته في الواقع ولا ينافي ذلك التدين حينئذ الحكم بإباحته ظاهرا إذ الحكم الظاهري لا يجوز أن يكون معلوم المخالفة تفصيلا للحكم الواقعي من حيث العمل لا من حيث التدين به . ومنه يظهر اندفاع ما يقال من أن الالتزام وإن لم يكن واجبا بأحدهما إلا أن طرحهما والحكم بالإباحة طرح لحكم الله الواقعي وهو محرم وعليه يبنى عدم جواز إحداث القول الثالث إذا اختلفت الأمة على القولين يعلم دخول الإمام عليه السلام في أحدهما . توضيح الاندفاع أن المحرم وهو الطرح في مقام العمل غير متحقق والواجب في مقام التدين الالتزام بحكم الله على ما هو عليه في الواقع وهو أيضا متحقق فلم يبق إلا وجوب تعبد المكلف وتدينه والتزامه بما يحتمل الموافقة للحكم الواقعي وهذا مما لا دليل على وجوبه أصلا . والحاصل أن الواجب شرعا هو الالتزام والتدين بما علم أنه حكم الله الواقعي ووجوب الالتزام بخصوص الوجوب بعينه أو الحرمة بعينها من اللوازم العقلية للعلم العادي التفصيلي يحصل من ضم صغرى معلومة تفصيلا إلى تلك الكبرى فلا يعقل وجوده مع انتفائه وليس حكما شرعيا ثابتا في الواقع حتى يجب مراعاته ولو مع الجهل التفصيلي . ومن هنا يبطل قياس ما نحن فيه بصورة تعارض الخبرين الجامعين لشرائط الحجية الدال أحدهما على الأمر والآخر على النهي كما هو مورد بعض الأخبار الواردة في تعارض الخبرين . ولا يمكن أن يقال إن المستفاد منه بتنقيح المناط هو وجوب الأخذ بأحد الحكمين وإن لم يكن على كل واحد منهما دليل معتبر معارض بدليل الآخر .